السياسة عندما تتغلغل في فكر الإنسان لا تعلم إن كان ذكراً أم أنثى! فاحذر أن تُميّز رجلاً سياسياً عن امرأة سياسية، فكلاهما تتعدد وجوهه وتتلوّن حسب المصالح، حسب المواقف، حسبما يتطلب الأمر ذلك..

لكل شيء في حياة المرء حد مهما طال عمره أو نقص، وكما للتعاسة وسوء الحظ والأزمات حد، أيضاً للسعادة والنصر والنجاح حد وينتهي، أما فيما يخص «النصر» فالتاريخ مملوء بالأغبياء والمغفلين الذين فقدوا النصر في لحظة غرورهم واعتزازهم بالنصر الذي حققوه، خاصة في ساحة المعركة حيث يأبى بعض القادة المجانين التوقف عن القتال والاكتفاء بما حققوه من نصر، وبما أن عُقدة التمييز بين الذكر والأنثى صراع أزلي منذ القدم، على الرغم من أنها بادت عند بعض الدول المتقدمة، بيد أن الكثير ما زال يعيش هذا الصراع إلى وقتنا الحاضر.

وقد تُرجم الصراع بين الذكر والأنثى عن طريق البغي والظُلم الذي تعرضت له المرأة من إقصاء لحقها والتشكيك في أدوارها، حتى السياسة والقيادة هناك من استهان بها، ففي سنة 559 ق.م قام شاب يُدعى كورش بتكوين جيش كبير جداً حتى يضم بلاد فارس المبعثرة تحت سيادته وانتهت جهوده بتتويجه ملكاً على ميديا وفارس وشرّع حينها بتكوين إمبراطورية فارسية وهذا أمرٌ طبيعي لدى العقيدة الفارسية فأكثر سلاطينهم لديهم هوس السلطة والخلود في التاريخ على أنه بطل خارق! وبالفعل نجح كورش بذلك وكوّن إمبراطورية وأصبح يُلقب بملك العالم.

ولم يكتفِ كورش بهذا الانتصار بل صوّب نظره إلى الشرق نحو بحر قزوين حيث كان يقطن فيها قبائل تُدعى بقبائل الماساجيتاي، يتصفون بالهمجية والشراسة في حُروبهم وكانت تحكمهم آنذاك ملكة تُدعى بتوميريس، وعلى أي حال زحف كورش بجيشه العظيم والمُهيب نحو بوابة مملكة الماساجيتاي وأقام معسكراً على الضفة الغربية للمملكة، الأمر الذي دعا الملكة توميريس أن ترسل رسالة لكورش قالت بها: «يا ملك الميديين، أنصحك بالتخلي عن هذا المشروع، لأنك لا تدري إن كان سينفعك بأي شيء في آخر الأمر، فاحكم شعبك وحاول أن تتحمل رؤيتي وأنا أحكم شعبي».

لكن كورش رد عليها بجيشه واشتبك معها في معارك شرسة ولم يستطع التغلب على جيشها إلا في خدعة حينما وضع مائدة ضخمة جداً مليئة باللحوم والأطعمة والشراب، ثم ترك أضعف جنوده حول المائدة وانسحب من ميدان المعركة متظاهراً بأنه هارب!

وسرعان ما هاجم جيش الملكة فقتلوا الجنود الفارسيين جميعاً ممن تركهم كورش، ثم غلبتهم شهوة الطعام، وبما أن النفس البشرية أحياناً تكون بهائمية، فقد تربعوا على مائدة الطعام ليأكلوا بعدما قتلوا الجنود الفارسيين فوراً! ثم ناموا آخر منتصف الليل حول المائدة نفسها، فعاد الجيش الفارسي إلى المعسكر نفسه الذي توجد به المائدة وقتلوا الجنود النائمين أشد قتل وأسروا الباقين وكان من بين الأسرى ابن الملكة توميريس.

وعندما علمت الملكة ما حدث وأن ابنها قد أُسر أرسلت رسالة إلى كورش توبخه على استعمال الخُدع ضد جيشها وكتبت: «أنصت إليّ الآن وسأنصحك لمصلحتك نفسها، أعد إليّ ابني واترك بلدي ومعك قواتك سليمة متماسكة. فإن رفضت فإنني أقسم بإله الشمس سيدنا أن أعطيك دماً أكثر مما تستطيع شُربه». فسخر منها كورش ورفض إطلاق سراح ابنها وصمم على سحقها، وعندما رأى ابن الملكة انه مُهان ومذلول ولم يُطلق سراحه، لم يُطِق ذلك فقتل نفسه، وحينما علمت الملكة لم تنطق بشيء رغم حُزنها، إلا أنها قامت بإعداد جيشها وجمعه من جديد ورسمت خطة للمعركة بمساعدة القادة العسكريين، واشتبكت مع قوات كورش في معركة عُدت من أعنف المعارك في التاريخ العسكري، ويذكر الكاتب غرين أن الجيش الفارسي قد مُزِّق شر تمزيق وانتهت المعركة بمقتل كورش نفسه!

وبعد المعركة يقول غرين إن الملكة توميريس قامت بالبحث عن جثة كورش وعندما وجدتها قامت بقطع رأسه قائلة: «انظر كيف أُنفذ تهديدي، فلديك ما يُشبعك من الدم». وبعد مقتل كورش انحلت الإمبراطورية الفارسية بسرعة وفُقدت الثقة بها بعد أن هزمتها «امرأة»، هذا درسٌ واحد من التاريخ، لكل من يتغطرس بنصره وتفوقه ولكل من يُقلل من شأن امرأة سياسية كانت أم غيرها، لأنه من الواضح أن كورش لم يكن يُريد توسيع رقعة إمبراطوريته فحسب! بل شعر بنوع من الغيرة والاستنقاص تجاه ملكة تجاور إمبراطوريته، فكيف لامرأة تجاوره بالحكم ولديها مملكة وجيش شرس! لذلك لم يُشكك ولو بالقليل أنه سيخسر بالمعركة، مُقللاً من شأنها كونها امرأة، ونتيجةً لذلك فقد خسر حياته وهي بالتأكيد أثمن من إمبراطوريته الفارسية، والجدير بالذكر أنه بعد سحق الملكة للإمبراطورية الفارسية قد ذاع صيتها، وطُبعت صورتها بالذاكرة الفارسية، كونها من أشرس النساء، وبذلك نستطيع القول إن كورش قد أهداها نصره دون أن يسعى لذلك، فقد قضى عقوداً وهو يكوّن إمبراطوريته وفي غضون أيام خسرها بغطرسته واعتداده بذاته.

الخلاصة: كُن عقلانياً في نصرِك ولا تستنقص من عدوك مهما كان جنسه أو قلة جيشه، فكل من دخل دائرة السياسة من ذكر أو أنثى سواسية، فالسياسة عندما تتغلغل في فكر الإنسان لا تعلم إن كان ذكراً أم أنثى! فاحذر أن تُميّز رجلاً سياسياً عن امرأة سياسية، فكلاهما تتعدد وجوهه وتتلوّن حسب المصالح، حسب المواقف، حسبما يتطلب الأمر ذلك، وكلاهما أن انتقم انتقم بكل قواه وشراسته، ورُبما كانت المرأة أكثر شراسة بالانتقام من الرجل أحياناً، وأكثُر مكراً وتنكيلاً من أي رجُل آخر!

واحذر مرة أخرى من نصرك، فللنصر جنون قد يؤدي بك إلى المقبرة، حينها تجد عدوك يقول فوق جُثمانك «لا رحمك الرّب على غطرستك وغبائك».