يبقى الأديب بشراً مهما بلغ مستوى إمكاناته وشهرته، إنساناً له حياته الخاصة، وله إخفاقاته ونقاط ضعفه، التي ربما لا نعرفها نحن القراء الذين تطربنا قصائده الجميلة أو نستمتع برواياته الرائعة أو ترجماته أو غيرها، وتبقى الزوجة هي أقرب الناس لهذا الأديب، وهي معينه ومساعده بعد الله سبحانه وتعالى، وهي التي كما قال المثل (وراء كل رجل عظيم امرأة). وكثير من أولئك النسوة من ألفت عن زوجها كتاباً بعد وفاته، وتحدثت فيه عن سيرته وذكرياتها معه بحلوها ومرها، وكانت تلك الكتب من أهم المراجع وأمتع الكتب التي يطالعها المهتمون والقراء والباحثون في سير أولئك الأدباء، وكثيراً ما كانت تلك الكتب أشبه بحنين أولئك الزوجات لأزواجهن وأيامهن الجميلة معهم. وبما أنهن أقرب الناس إليهم وأكثرهن التصاقاً بهم فقد كن أعرف الناس بشخصياتهم وأسرارها، ومن ذلك ما روته عبلة الرويني في كتابها (الجنوبي) الذي تروي فيه سيرة زوجها الشاعر الراحل أمل دنقل، فتقول:»إنه الشيء ونقيضه في لحظة نفسية واحدة يصعب الإمساك بها والعثور عليه فيها. فوضوي يحكمه المنطق، بسيط في تركيبة شديدة، صريح وخفي في آن واحد، انفعالي متطرف في جرأة ووضوح، وكتوم لا تدرك ما في داخله أبداً. يملأ الأماكن ضجيجاً وصخبا وسخرية وضحكاً ومزاحاً، صامت إلى حد الشرود يفكر مرتين وثلاثاً في ردود أفعاله وأفعال الآخرين، حزين حزناً لا ينتهي، استعراضي يتيه بنفسه في كبرياء لافت للأنظار، بسيط بساطة طبيعية يخجل معها إذا أطريته وأطريت شعره، وربما يحتد على مديحك خوفاً من اكتشاف منطقة الخجل فيه. صخري شديد الصلابة، لا يخشى شيئاً ولا يعرف الخوف أبداً، لكن من السهل إيلام قلبه. صعيدي محافظ، عنيد لا يتزحزح عما في رأسه، وقضيته دائماً هي الحرية، ومشواره الدائم يبدأ بالخروج. عاشق للحياة، مقاوم عنيد، يحلم بالمستقبل والغد الأجمل مع قدر كبير من العدمية يزدري فيها كل شيء ويدمر كل شيء، ويؤمن بحتمية موته». إلى آخر هذا الوصف الدقيق لأعماق شخصيته، والذي لا يخرج سوى من شخص يعرفه ويفهمه، وعلاوة على ذلك فهي أمين سره ومستودع أوراقه وذاكرته ورفيقة دربه، كما حدث مع إحسان بيات زوجة الأديب والمترجم السوري الراحل سامي الدروبي التي ألفت عنه كتاباً باسمه، دونت فيه ذكريات حياتها ورحلاتها معه في كل أصقاع الأرض كدبلوماسي وسفير في المغرب ويوغسلافيا وإسبانيا وغيرها وغيرها، وحتى في مشروعه الأبرز حتى الآن وهو ترجمته لأعمال الروائي الروسي ثيودور ديستويفسكي الكاملة، التي لا تزال مطلوبة ومفضلة لدى القراء، وتقول عن ذلك:»وراح يعمل بجدية خارقة على ترجمة ديستويفسكي فكانت تتوالى هذه الأعمال من بين يديه الواحد بعد الآخر، وفي عام 1966م تم التعاقد بين وزارة الثقافة المصرية والدكتور سامي الدروبي على نشر الأعمال الكاملة لدوستويفسكي ولقد كان لهذا القرار هزة في الوسط الثقافي المصري. وبما أن زوجة الأديب هي العين التي تراه وهي الأذن التي تسمع كل ما يقول وما يقال عنه، لذا احتفظت بهذه المقالات وها أنا ذا أنقل بعض ما كتب عنه في ذلك الوقت». إذاً فزوجة الأديب من أهم حفظة أدبه وكتاباته، ومن ذلك كتاب سوزان (معك) الذي دونت فيه ذكرياتها مع زوجها الأديب طه حسين، وقد قام بترجمة الكتاب المترجم السوري بدر الدين عردوكي، وقدمت له ابنتهما (أمينة) واصفة الكتاب وعلاقة أمها بأبيها بقولها:»كانت الرفيقة الرائعة لأكثر من ستين عاماً لمصري أعمى صار أكبر كاتب عربي في القرن العشرين، اشتهر في بلده بسبب كل ما حققه في مجال التعليم والعلوم والثقافة، وأنشأ الجامعات والمعاهد العلمية عبر العالم وكرم في الشرق مثلما كرم في الغرب، كانت على الدوام إلى جانبه، راعية مخلصة محبة. كانت قد واسته وشجعته حين كانت الأمور تسوء (ويعلم الله كم كانت تسوء) وشاركته بكل تواضع نجاحاته وانتصاراته. كانت قد ساعدته على التغلب على عاهته، على أن يصير ما كان، على أن يتناول الطعام على موائد الملوك، على أن يتلقى ضروب الثناء والتكريم في أوروبا، وفي الشرق، وفي كل مكان. كانت حاضرة دوماً حين كان بحاجة إليها، وقد قال هو نفسه إنه لولا زوجته لما كان شيئاً!».

سوزان مع طه حسين
الجنوبي
عبلة الرويني مع أمل دنقل