حين تعود إلى سبب أمر ما، فإن ذلك يفتح سلسلة طويلة من الأنظمة المترابطة، وقائمة لا حصر لها من المفاهيم التي أوجدت سبب الحدوث، ولن يتمكن أحد من تأصيل العلة وتفنيد أسبابها دون أن يفهم الحقيقة والماهية من ورائها. لذلك ورد في الفصل الأول من كتاب السببية لستيفن ممفورد وراني ليل نجم، قصة غزو الجرذان لبلدة ما، فتملأ شوارعها وتأكل من صناديق القمامة وتقتحم البيوت، وبعد عدة أيام بدأ الكثير من سكان هذه البلدة بالشعور ببعض الآلام، وتعرضت حالات كثيرة للخطر، وبدأ المرض ينتشر بين الغالبية العظمى من الناس. مما يثير سؤالاً

لا مفر منه وهو: هل تسببت الجرذان بانتشار المرض في البلدة؟ وقد يكون هذا أمراً محسوماً لأن (الجرذان) تشكل عاملاً دخيلاً على البيئة المحلية، ويسبب قدومها انتشار المرض، لكن هناك ثمة احتمالات متعددة حول هذا المرض، فلربما كانت هناك أسباب أخرى لانتشاره وإصابة الناس به، ومن المؤكد أن هناك أسباباً أيضاً خلف قدوم الجرذان من الأساس. لذلك لابد من تحديد السبب وماهيته وترتيب أولويات الحدوث تباعاً وبشكل نظري وعلمي.

لذلك فإن هذا الكتاب يقدم شرحاً لبعض التعقيدات التي تنطوي عليها نظرية السببية، ويجيب عن أسئلة عديدة تدور في أذهان المهتمين بالفلسفة مثل: تعريف السببية وماهية العالم الحقيقي للسببية، حيث يستهدف العقل بالتفكير واستخدام النقاش بطرح الأسئلة لمعرفة ما إذا كانت الأسباب يجب أن تقع دائماً قبل وقوع آثارها. ويستعرض الكتاب بعض الآراء والنظريات التي وردت في كتب المهتمين بهذه النظرية من الغرب، مثل افتراضات ديفيد هيوم الذي لم يتمكن من رؤية السببية حيث يقول هيوم: «إن كل ما نلاحظه في الطبيعة هي سلسلة من الأحداث، إذا حصل أحدها يتبعه الآخر، ثم الآخر، وهكذا، وحين نستفسر عما إذا كان أي من هذه الأحداث مرتبطاً بالآخر سببياً، سنجد أن المسألة تكمن في أن الرابط السببي المفترض ليس جزءاً من خبرتنا».

وجاء في الكتاب استعراض لإنكار بعض العلماء وجود العلاقة السببية بصورة مطلقة، وتفسيرهم للظواهر الإشكالية بمصطلحات أقل جدلية، حيث يشار إلى بحث برتراند راسل المنشور عام 1913م عن مفهوم السبب، عندما ذكر أننا ننظر إلى العالم بمنظور سببي، ومع ذلك لن نلحظ للسببية وجوداً إذا ما احتكمنا للطريقة الفيزيائية في فهم الأشياء. فقد نفى راسل وجود علاقات سببية غير متناظرة، فالفيزياء مليئة بمعادلات يمكن قراءة العلاقة بين مكوناتها من اليسار إلى اليمين، والعكس صحيح، وبعبارة أخرى فإن اتجاهية السببية ليست سمة من سمات العالم لأن العلاقة السببية يمكن أن تراعي الاتجاه المعاكس بكل بساطة بحسب ما جاء في بحث راسل.

واستعرض الكتاب فكرة الاقتران الثابت، حيث يرى أتباع هيوم أن اقتران السببية لا يعدو عن أنه اقتران مستمر بين السبب والنتيجة، إلا أنه في الوقت نفسه قد يكون هناك انتظام من دون نتيجة وهذا ما يقدم له أتباع هيوم العديد من التفسيرات التي جاء الكتاب على شرحها شرحاً مفصلاً.

ويعتبر هذا الكتاب الذي جاء في 157 صفحة مقدمة شديدة الاختصار عن نظرية السببية، وينقسم إلى عشرة فصول تتحدث عن مشكلتنا مع السببية والانتظام، ويجيب عن أسئلة فلسفية مثل إمكانية حدوث الأسباب قبل نتائجها وضمان الأسباب للنتائج، بالإضافة إلى التعددية والضرورة والنزعة البدائية وماهية النزوعية. وقد ترجمت ابتسام محمد الخضراء هذا الكتاب ونقلته إلى العربية.