يعتبر الغاز الطبيعيّ من مصادر الطاقة الأوليّة الضروريّة للصناعة الكيماويّة، وهو مصدر للطاقة البديلة عن مشتقّات النفط والمحروقات، ويمتاز بكفاءته العالية وقلّة تكلفته، بالإضافة إلى قلة الانبعاثات منه التي تلوّث البيئة، يستخرج من الغاز أنواع اللقيم المستخدم في الصناعات البتروكيميائية مثل غاز الميثان والإيثان والبوتان والبروبان والنافتا، ويعتبر الغاز الطبيعيّ ذا أهميّة اقتصاديّة بالغة؛ نظراً لكونه ثروةً طبيعيّةً ذات قيمة، كما أنّه من أهمّ مصادر الطاقة، إضافة إلى أنّه يدخل في صناعة الأسمدة، والأدوات البلاستيكيّة.

قد يكون الغاز مصاحباً للنفط وقد يكون غير مصاحب للنفط؛ أي مستقل يستخرج من حقول خاصة بالغاز، تكمن مشكلة الغاز المصاحب للنفط بأن إنتاجه يعتمد كلياً على عملية إنتاج النفط، أي أنه يتأثر سلباً بأي خفض لإنتاج النفط، يحتوي الغاز المصاحب على غاز الإيثان الذي يعتبر اللقيم الأساسي في صناعة البتروكيماويات، ويستخرج بجانب النفط وتكون تكلفة إنتاجه منخفضة، وربما يساهم أيضاً الاتفاق الأخير بين شركة أرامكو وشركة سابك في إنشاء مجمع صناعي متكامل لتحويل النفط الخام إلى منتجات كيميائية في المملكة إلى مزيد من خفض تكلفة اللقيم وتعزيز مكانة المملكة عالميًا على مستوى صناعة الكيميائيات، حيث سيضمُّ المجمع وحدات تشغيل مبتكرة تمكّنه من تحقيق معدل غير مسبوق لعملية تحويل النفط إلى كيميائيات، وذلك بصورة تنافسية واقتصادية، كان الغاز الطبيعي في بدايات استخراج النفط يحرق ولا يستفاد منه حتى ظهرت لاحقاً أهميته وبدأ الاهتمام به، ولذا نشطت "أرامكو" في قطاع الغاز مؤخراً، وهي تعد الآن من أكبر منتجي الغاز الطبيعي في العالم.

وتشغل السعودية المركز السادس عالمياً من حيث حجم احتياطات الغاز، والمركز الثالث في الشرق الأوسط، والمركز الثامن من حيث الإنتاج وتمتلك المملكة احتياطيات ضخمة من الغاز الصخري تقدر الاحتياطيات القابلة للاستخراج من الغاز الطبيعي بـ 300 تريليون قدم مكعبة ربما تجعلها في المركز الأول عالمياً، ولكن عملية استخراج النفط الصخري في الوقت الراهن مكلفة وغير مجدية مع الأسعار الحالية، حيث تبلغ تكلفة الإنتاج أعلى من 6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وهي تعادل ضعف تكلفة سعر الغاز الحالي، ولكن قد يستفاد منها مستقبلاً عند انخفاض تكلفة الإنتاج أو زيادة أسعار الغاز، وتستهدف "أرامكو" زيادة إنتاج الغاز خلال العشر سنوات القادمة ليصل إنتاجها إلى 23 بليون قدم مكعبة قياسية، نظراً للاستهلاك الكبير والمتنامي محلياً، حيث إن هنالك خططاً للاعتماد على الغاز في إنتاج الكهرباء وتحلية المياه بدلاً من النفط والذي يفضل أن يستفاد منه في عمليات التصدير، حيث تستطيع الدولة توفير 71 دولاراً من كل برميل من النفط الخام يتم استبداله ببرميل مكافئ من الغاز في توليد الكهرباء عام 2030، في الوقت الراهن لا تصدّر السعودية الغاز إلى الخارج، ولا تستورده وتحتل المملكة المركز السادس بين أكبر مستهلكي الغاز في العالم، وهي تعتمد كلياً على الإنتاج المحلي ولكن مع استمرار زيادة الطلب المحلي عليه كان لزاماً أن تتم زيادة الإنتاج، فهل تستطيع أرامكو فعلاً تلبية الطلب المحلي وتتماشى مع رؤية السعودية 2030؟

لا شك أن الطلب سوف يتنامى بشكل كبير مع زيادة عدد السكان والحاجة للكهرباء، كذلك التطور الصناعي المتوقع خلال سنوات الرؤية وأيضاً قطاع التعدين الذي يعول عليه كثيراً كمصدر دخل يساهم في زيادة الإيرادات غير النفطية، ولذلك متوقع أن تحتاج المملكة إلى حوالي 30 مليار قدم مكعب يومياً بحلول عام 2030، إذاً تحتاج المملكة إلى زيادة الإنتاج إلى أكثر من ضعفي الإنتاج الحالي لمواكبة الطلب المحلي، وقد سجلت أرقام الإنتاج في عام 2017 أعلى معدل إنتاج يومي حيث بلغت حوالي 12 مليار قدم مكعب يومياً.

تستخرج المملكة معظم الغاز من حقل الغوار الذي ينتج غازاً مصاحباً وغازاً غير مصاحب، وهنالك حقل كران البحري وهو أول حقل بحري ينتج الغاز غير المصاحب، بالإضافة إلى حقل الشيبة الذي ينتج حوالي 2.4 مليار قدم مكعبة يومياً، وهنالك ثلاثة معامل كبيرة جديدة ستضيف أكثر من 2 مليار قدم مكعبة من الغاز غير المصاحب في اليوم بحلول 2020، ورغم كل التوسعات التي يشهدها قطاع إنتاج الغاز إلا أن هنالك شكوكاً بعدم مواكبة الإنتاج للطلب المحلي، وأخشى أن يتم الاعتماد على الاستيراد مستقبلاً، كما يحصل في استيراد منتجات الوقود المكررة، والتي تستورد بالأسعار العالمية، ويتم بيعها في السوق المحلي بأسعار مدعومة، والتي أرهقت كثيراً ميزانية الدولة، وما زالت أرامكو حتى الآن تستورد البنزين لمواجهة الطلب المحلي في انتظار تشغيل مصفاة جازان التي قد تغطي الاحتياج.

  • محلل مالي
حسين بن حمد الرقيب *