جاءت أحداث مكافحة الفساد والتطهير في مطلع نوفمبر الماضي وسط أعاجيب العالم والمواطنين وتصدر الخبر أغلفة كبرى صحف العالم مثل (الفاينانشال تايمز) و(الاندبندنت) حيث ثبت للعالم جدية المملكة اتجاه الإصلاح وتوجه سمو ولي العهد للمضي في رؤية التحول والإصلاح الاقتصادي وهو من اتخذ أشجع القرارات بشأن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والجميل بأن عملية خطوة مكافحة الفساد تمت بشكل عادل ومتزن دون مساس بحقوق أحد أو امتهان الإنسانية بل قوم مكرمون منهم من ثبتت براءته ومنهم من اعترف واعتذر ومن شاء لجأ للقضاء وكان ضمن الموقوفين الدكتور إبراهيم العساف والشيخ وليد الإبراهيم.

جاء إبراهيم العساف لتولي وزارة المالية بعد أن جلست الوزارة تدار بتكليف المرحوم إبراهيم الخويطر بعد أن اعتذر عن توليها المرحوم سليمان السليم لأسباب صحية حيث ترك الشيخ محمد أباالخيل فراغاً كبيراً وهو شخصية استثنائية ويروى أنه طالب بتأسيس صندوق سيادي منذ مطلع الثمانينات - هو من أسس صندوق الاستثمارات العامة وكان أول رئيس له الشيخ حمد السياري متعهم الله بالصحة والعافية - ويقال إنه كان متحفظاً ضد السياسة البترولية خلال تلك المدة وبعد انخفاض أسعار البترول استطاع أباالخيل أن يدير ميزانية المملكة التي ظلت تعاني العجز منذ العام 83 ميلادي إلى تقاعده العام 95 ولأهمية الوزارة وفراغ أباالخيل تم تعيين وزير مخضرم لكن الدكتور سليمان اعتذر.

بدأ الجميع يسمع عن وزير الدولة إبراهيم العساف الذي كان مندوب المملكة في البنك الدولي ثم نائباً لمحافظ مؤسسة النقد، وفي رمضان أقسم ليكون وزير المالية لنائب الملك وقت ذاك الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، وشهدت تلك السنوات هبوط أسعار البترول بشكل مخيف خصوصاً العام 98 عندما وصلت أسعار البترول 12 دولاراً ذلك العام وهو أدنى مستوى منذ نهاية الطفرة الثانية (يوجد ثلاث طفرات) وبدأت الشكوك في قدرة المملكة على دفع الرواتب وقلق على التصنيف الإتماني للمملكة حيث بلغ العجز ربع المصروفات مول عن طريق الدين وانخفض الناتج المحلي بنسبة 24 % مما يفتح مخاوف عدم قدرة الاستدانة مستقبلاً، وتساؤلات حول ارتباط الريال بالدولار واستطاع العساف هو ومؤسسة النقد بقيادة السياري التعامل مع الأزمة. وبعد ذلك بأشهر تشرفنا بزيارة خادم الحرمين حفظه الله في منزل الوالد، وصادف أن أباالخيل جالس بجانب العساف وكان حفظه الله يتكلم عن التحديات العامة ومنها الاقتصادية والمالية والتي تتطلب وزير مالية حاسماً وأشاد بدور الرجلين وكفاءتهم. مرت السنوات وكنت ألتقي بشخصيات وخبراء اقتصاديين التقوا به سواء من صندوق النقد أو من بنوك كبرى ومسؤولين أوروبيين وكان دائماً محل احترامهم حتى لو تختلف معه، كذلك نحن ممكن أن نختلف مع أفكار أي مسؤول ورؤيته لكن لا ننكر بأنه كان رجل دولة حقيقياً وكان لقاء برنامج الثامنة العام الماضي دليلاً على مفاهيم العساف ووعيه لهذا المفهوم.

أما عن وليد الإبراهيم والذي عرف عبر ترؤسه لمجلس إدارة mbc والتي تأسست العام 92، ليس سراً الرجل تربطه بالملك فهد رحمه الله قرابة وهو ما جعل بعض الصحف الغربية تصفه بأنه غطاء لا أكثر للإعلام السعودي لكن اتضح أن الرجل أكبر وأعمق بل تضاعف عدد قنوات مجموعته وتزايدت أرباحها، والصحف التي كانت تنتقده أغلقت بسبب عدم فهمها مثله للتطور الرقمي والإعلامي، من يراقبه يلاحظ الكثير، لم يتقمص شخصية (مردوخ) ولم يندفع ويتورط باستثمارات إعلامية كثيرة ومتنوعة المنتجات في عدة شركات بل ركز على قناته التي تحولت إلى مجموعة وأدخلها بهدوء للإعلام الرقمي، وواضح لديه القدرة بأن يعمل معه الكبار في بيئة إيجابية مثلاً عمل معه عبدالرحمن الراشد وعرفان نظام الدين وداود الشريان وهؤلاء من أهم الصحفيين وأداروا صحفاً كبرى سابقاً، وانتقاله إلى دبي كان استراتيجياً لأن العمل من لندن تكاليفه سوف تعيق التوسع بالإضافة لوجود موارد بشرية ومالية وتقنية في دبي تضمن لإنتاجه الديمومة ومرونة التغيير، والأهم أنه رجل يمتلك الكاميرا لكنه يعي أنها من أجل الجمهور لذلك لم يسلطها على نفسه بل على ما يريده الجمهور وسط إعلام يتضح فيه التوجه التنويري. خرج الرجلان بعد ثبوت براءتهم، حيث ترأس العساف وفد المملكة في دافوس فهذا مكانه المقدمة وعاد الإبراهيم يقود مجموعته، لا يربطني بالرجلين أي مصالح ولا أعمل لدى أي منهم لكنها الأمانة في شهادة الخير لمن يستحقه.