كما للعرب باع طويل في الكرم وهو من خِصالهم الحميدة، كذلك الإمبراطور الياباني غو صايين كان يتصف بالكرم، ويمتلك إناءً للشاي قديماً، ووصفهُ الكاتب روبرت أنه لا يُقدّر بثمن، ويحسدُه عليه كل مُنافسيه، وذات يوم قرر أحد ضيوف الإمبراطور ويُدعى «ديناغون» أن يحمل ذلك الإناء وقال للإمبراطور: «إن الهدف من ذلك هو تفحُّص الإناء بشكل دقيق» فوافق الإمبراطور، غير أنه عندما حمل ديناغون الإناء إلى الشُرفة ورفعهُ نحو الضوء، انزلق من يديه وسقط من الشُرفة وتحطم!

وبدأت ملامح الغضب على وجه الإمبراطور فقال ديناغون: «إنه لعملٌ أخرق أن أُسقِط الإناء من يدي بهذهِ الطريقة، وأخذ نفساً عميقاً عندما رأى رجال حاشية الإمبراطور غاضبين وقد اجتمعوا حوله وتابع قوله: «ولكن لم يحدث ضررٌ كبير، إذ إن هذا الإناء عتيقٌ جداً، ومن المستحيل معرفة كم من الزمن كان سيستمر! وهو على أية حال ليس شيئاً ذا نفع عام، ولذا أعتقد أن من حُسن الحظ أنه انكسر هكذا».

ثم صفح عنه الإمبراطور، لكن الجدير بالذكر أن ديناغون لم يكف عن الثرثرة حول رخص قيمة هذا الإناء الثمين لدى الإمبراطور وأنه كان خارقاً جداً عندما أسقط الإناء من الشُرفة بهذه السرعة، وكأنه يُحاول أن يُحجِّم من شخصية الإمبراطور ذاته مع التعزيز لنفسه وقدراته، وعلى أية حال ذاع صيتُه حول بعض مناطق الجوار للإمبراطور واستطاع أن يُقنع فئة ممن لا يؤمنون بالقيمة التاريخية للإناء بأنه بالفعل مُتهالك ولو فُقد كان أفضل! لكنه لم يستطع أن يقنع العالم كله!

هذهِ القصة القصيرة تذكرنا بما يجري حولنا من مواقف دولية ونحوها، فلو افترضنا أن الإمبراطور الياباني «ذا الكرم» هو السيادة الإماراتية وهذا الإناء الثمين والعتيق ما هو إلا رمزٌ للمواقف والعلاقات الدولية الجيّدة مع دول الجوار وبقية أنحاء العالم، أما «ديناغون» هو من يحاول تحطيم هذا الإناء من خلال تحجيم وإقصاء تاريخ الإمارات، والعلاقات المتينة التي تربطها بدول الجوار، مُعللاً ذلك بعدم جدوى هذا الإناء - أي المواقف الإماراتية - بشكل خاص! ثم بخلق زعزعة بين العلاقات الإماراتية بدول الجوار كالمملكة، نعم بالفعل! هُناك ديناغون آخر يُثرثر عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن عدم جدوى الموقف السياسي الإماراتي واتخاذه مساراً آخر عن الحليف السعودي، ويحاول خلق فتنة مُستعينًا ببعض الأشخاص الذين يفتقرون للثقافة ولا يؤمنون بالتاريخ!

فللتاريخ لطالما كانت كلاً من المملكة والإمارات مواقف ثابتة وراسخة تجاه الأزمات العربية والإسلامية، وعلى سبيل المثال القضية الفلسطينية عندما أعلن الملك فيصل عن قطع البترول للغرب إبان حرب أكتوبر 1973م، كانت الإمارات من أوائل الدول التي انتهجت هذا النهج، ولم تتوانَ كلاً من الإمارات والمملكة في توحيد الصف العربي والوقوف مع الدول العربية حتى بأوج أزماتها وهناك مثال آخر كموقفهما تجاه حرب الخليج الأولى أو الحرب العراقية - الإيرانية عام 1980م، وفي عام 1995م بعد أن أطاح حمد بن خليفة آل ثاني بوالده ليصبح أمير قطر، منحت الإمارات اللجوء للأمير خليفة بن حمد آل ثاني ويأتي هذا الدور وهو ديدن المبادئ العربية الأصيلة في احتواء العربي للآخر مهما يكن، وقد سكن الأمير في أحد الأحياء في أبو ظبي، الأمر الذي جعل من حكومة قطر أن تتهم كلاً من الإمارات، إلى جانب المملكة و‌البحرين بالتآمر ضد الأمير الجديد، ونفت له الدول المتهمة جميع التهم. ولا يغيب عن ذهن أي مُعاصر للأحداث السياسية الآن، ما يواجه الوطن العربي ككل من الإرهاب الفارسي، الذي اتضح من خلاله الاستراتيجية الراسخة والموقف الموحد بين الإمارات والمملكة تجاهه، وتجاه مكافحة الإرهاب والدول التي تمول التنظيمات الإرهابية حول العالم كدولة قطر على سبيل المثال.

والصورة الحية في أذهاننا الآن هو الدور الإماراتي للتحالف العربي في اليمن بقيادة المملكة، فقد حققت بجانب بقية الدول العديد من الإنجازات، مُستمدة من هذه الأدوار ديدن الأهداف التي جاء بها التحالف العربي في اليمن، ومن أهمها المساهمة بإعادة الشرعية والاستقرار إلى اليمن، والحفاظ على أمن المنطقة تجاه التدخلات الخارجية والأطماع التي تتعرض لها من خلال تمويل الطائفية والجماعات الإرهابية وعلى رأسها الميليشيات الحوثية.

الدم الإماراتي اختلط بالدم السعودي ليحفظ الأمن القومي العربي من الإرهاب الفارسي، لأنهما أيقنا أن الحرب حربٌ عرقية جاءت بغطاء ديني.

هذا شطرٌ واحد من العلاقات السعودية - الإماراتية والمواقف المشتركة تجاه القضايا العربية والإسلامية، التي يحاول البعض أن يعيش دور «ديناغون» ليقلل من شأن دورها بالمنطقة كما قلل من شأن الإناء الثمين والقيّم!

ومنذُ القِدم عندما تتآلف دولتان وتتوحد جهودهما، فإن ذلك سيخلق لهما من يصطاد بالمياه العكرة ليجعل الوضع أسوأ، ويخلق مشاكل لا وجود لها حتى يُحقق مُبتغاه، وأظن أن «ديناغون» هو من إحدى دول الجوار الذي تتعارض سياسته مع الإمارات والمملكة في آن واحد.