يوم الصفر، هو يوم الثاني عشر من شهر إبريل المقبل، اليوم الذي أعلنته حكومة مدينة كيب تاون، بجنوب أفريقيا، يوم حالة طوارئ قصوى، بعد أن أظهرت إحصاءات مصلحة المياه بالمدينة، أنه اليوم الذي سيتجاوز فيه استهلاك المدينة للمياه ما تنتجه محطاتها من المياه المحلّاة، أو تجمعه سدودها من مياه الأمطار، لتكون بذلك مدينة كيب تاون، أول مدينة عصرية في العالم، تعلن عن حالة عجز مائي، بشكل حكومي رسمي.

قد يبدو الأمر غريبا لدى البعض منا، خصوصا أن معظمنا لم يخطر بباله أن مثل هذا اليوم قد يأتي على مدينة تنكسر على قمم جبالها الشاهقة، تيارات هواء أكبر محيطين مائيين على وجه الأرض، لتنهمر سحب أبخرتها ماءً عذباً على تربة أكبر مزارع العنب والشعير في العالم، مما جعل خضرة المدينة، ونضارة أرضها، مقصد معظم سيّاح العالم، كل ذلك قد لا يخطر على بال أحدنا، ناهيكم عن التفكير في احتمالية أن ذلك اليوم الصفري قد يأتي على إحدى أشد بقاع الأرض جدباً وقحطاً لقلة الأمطار، وأكثرها نقصا وشحا في المياه العذبة والآبار.

لا أخفيكم سرّا أعزائي القرّاء، بأني لم أكن أفضلكم في استشعار مثل هذه الكارثة البيئية المحتملة، لكني قد أكون أسبقكم في معايشة أحداثها الواقعية، التي غدت حديث الإعلام، وحبر الأقلام، وهاجس الأنام، في مدينة كيب تاون، التي نتأهب فيها لمواجهة الأزمة المقبلة خلال غضون أيام. أما السرّ الآخر المخجل، الذي أود إفشاءه على أكبر قطاع واسع من شرائح مجتمعنا، لهدف الوقوف عنده، والتأمل فيه بإمعان، وتقديم بعض الامتنان، هو أنني خلال البحث عن بعض الحلول التطمينية المقترحة من قبل حكومة دولة جنوب أفريقيا لسكان المدينة، وجدت وأنا أقرأ عن محطات التحلية -بالمصادفة- خبر صدور أمر ملكي من خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، مستهل الشهر الحالي، ببناء تسع محطات لتحلية المياه، بتقنيات حديثة، على ساحل البحر الأحمر في المملكة، بقيمة تتجاوز ملياري ريال سعودي، بالإضافة إلى قرابة أربعين محطة تحلية مياه منتشرة حول مدن المملكة، حسبما أوضح معالي المهندس عبدالرحمن الفضلي، وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، مما دفعني إلى الخجل من نفسي بداية، لجهلي التام، أو تجاهلي لعدم الاهتمام، ببعض أهم مكتسبات وطني الغالي، مرورا باستشعار بعض الأمور البديهية التي أطلعتني عليها أزمة المدينة التي أتدرّب فيها حاليا، بأحد أقسام طب الطوارئ وإدارة الأزمات، وصولا إلى ثلاث مراجعات جوهرية:

الأولى؛ وجوب شكر الله -عز وجل- على ما أنعم به على وطننا المعطاء من خير ورخاء، ففي الوقت الذي نتقلّب فيه على أكفّ مشكلة نقص المياه، لم نشعر يوما بوجودها، بل نكاد لا نلقي لها بالا أو حسبانا. أما الثانية؛ ففي الامتنان لولاة أمرنا حفظهم الله، ولكافة المخلصين في جميع مفاصل الدولة، الذين يحسنون التدبير تخطيطاً وتنفيذاً وإنجازاً، نجده ماثلاً أمامنا في كل لحظة من لحظات حياتنا اليومية، بوعي منا أو بغير وعي. أما المراجعة الثالثة؛ أن الترشيد الحقيقي في استهلاك أي أمر، والاستفادة منه بقدر الاحتياج، ليس خطباً عصماء، ولا كلمات بكماء، نرددها لغرض الشعور بالرضا عن النفس، وإبراء الذمة، وإراحة الضمير، بل هو تطبيق عملي ملازم للفرد، نابع من الذات، يكتسبه عن طريق تجربة شخصية مرّ بها، أو يُهدى إليه مغلفاً بتجارب أو ربما معاناة الآخرين، يبدأ باستشعار أهمية وقيمة النعمة التي حباه الله إياها، وينتهي بالمحافظة عليها ممارسة وتطبيقاً وشكراً وامتناناً، وفق ما تمليه عليه مسؤولياته أمام الله، ثم أمام وطنه، ومجتمعه، ومقدراته، ونفسه، وكفى بنفس المرء عليه رقيباً.