أسس الفيلسوف الإيطالي نيقولا ميكافيلي منذ القرن السادس عشر الفكر السياسي الحديث القائم على فصل السياسة عن الأخلاق، وأطلق مقولته الشهيرة: «الغاية تبرر الوسيلة»، ومنذ ذلك الحين أصبحت البراغماتية الدين الرسمي للدولة الحديثة في الغرب، وتحولت المصلحة إلى مقدس سياسي تقاتل من أجله الدولة لتحقيق مصالحها، وأفرز هذا السلوك صراعاً دامياً لحروب استعمارية وأخرى توسعية.

عاد الغرب مجدداً للتفكير في نهاية ذلك الصراع، وإنهاء «حرب الجميع على الجميع»، من خلال ما طرحه مونتسكيو في العودة إلى الدستور، وجان جاك للعقد الاجتماعي، وجون لوك للديموقراطية، وانتهت لغة المصالح القاتلة إلى عودة العالم إلى القانون والنظام الدولي الجديدين، من خلال عصبة الأمم ومنظمة الأمم، وما تلاها من اتفاقية جنيف لتنظيم قواعد الحرب، وما أسفرت عنه الحرب الباردة وما بعدها من نفوذ وسيطرة وأطماع للقوى العظمى من دون أن يتواجها معاً.

لقد بقيت المصالح في السياسة وتغيّر السلوك في التعبير عنها؛ فلا يوجد عدو دائم أو صديق دائم، ولكن يوجد مصالح دائمة - كما يقول ونستون تشرشل -؛ فلم يعد الفصل بين السياسة والأخلاق مطلقاً بلا مبرر، أو دليل يحتوي ردود الفعل، إلى جانب أن المصالح، والاستراتيجية منها تحديداً احتفظت بشعاراتها وتوافقها وتقاسمها في مواقع الحضور والتأثير الدولي.

العلاقات السعودية الإماراتية نموذج فريد ينسف كل تلك التفاصيل الفلسفية والسياسية والمصالحية، وتقف على مبدأ دولي جديد سوف يؤرخ، ويلفت الأنظار، ويؤسس لمرحلة جديدة للمصالح التي لا تعبّر عنها البراغماتية الضيقة بحدود الزمان والمكان والمكاسب، واستطراداً الفصل بين السياسة والأخلاق، وإنما بـ»المصير الواحد» الذي يعني ديمومة البقاء المشترك، والانسجام المتكامل، والتوافق على الحضور في المشهد الدولي، وكما عبّر عنها وزير الشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش:»مواقف الإمارات مرآة لتوجه السعودية».

اليوم لا يوجد تحالف دولي يقوم على فكرة المصير الواحد أمنياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً إلاّ بين السعودية والإمارات، والمواقف أثبتت أن ما يجمع بين البلدين والشعبين الشقيقين أكبر من أي مصلحة خاضعة للكسب والخسارة، حيث يمثلان درعاً وضامناً لما تبقى من حصون العرب في خط المواجهة أمام كل ما يحاك في المنطقة من مؤامرات، وتدخلات، ومشروعات طائفية، وأخرى لأجندات الإسلام السياسي.

لقد حاولت دول ومنظمات ووسائل إعلام رخيصة ومأجورة أن تضرب التحالف السعودي الإماراتي، وتثير صفه ومصيره الواحد، وتخلط أوراقاً رمادية وأخرى محترقة للنيل منها، ولكن الوعي السياسي لدى القيادتين وقبلهما الشعبان السعودي والإماراتي كان على موعد ليس في التصدي، بل إثبات قوة التلاحم بينهما، ومع ذلك التأكيد أن السياسة والأخلاق لا ينفصلان بين السعودية والإمارات، فالمواقف ثابتة واحترامها بالأفعال وليس الأقوال، ويعني باختصار أن المصير أكبر من المصالح.