تقودني بعض المواقف أن أعود بالذاكرة إلى أيام المرحلة الابتدائية فأشعر بالحنين وأشعر بالحزن أيضاً. عندما أقارن بين الابتدائية التي تعلمت فيها وبين الابتدائية التي تعلم فيها أبنائي ينتابني إحساس بأني درست في السويد لا في المملكة. ما زالت حياتي حتى اليوم مدينة لتلك المرحلة.

المدرسة في ذلك الزمن كانت أكثر من مجرد مدرسة. الأنشطة اللاصفية قادتنا لاكتشاف أنفسنا. التعرف على قدراتنا وما يمكن أن نكونه في المستقبل. بقدر ما نسيت الكتب والمواد الدراسية لم أنسَ أبداً ما تعلمته في الجمعيات التي قدر لي أن انضم إليها.

مع بداية السنة الدراسية يتوزع الطلبة الراغبون على جمعيات. جمعية الخط العربي وجمعية الرسم وجمعية تحفيظ القرآن وجمعية الكشافة وجمعية القسم المخصوص وجمعية الإذاعة المدرسية.. إلخ. في جمعية الإذاعة المدرسية سمعت لأول مرة بمطرب اسمه محمد عبدالوهاب وطارق عبدالحكيم. كان محبو الغناء والكفشات الضاحكة ينضمون إلى هذه الجمعية ونطرب لأصواتهم ونكاتهم في الفسحة الطويلة.

عرفت معنى صحافة عندما كنت في الصف الخامس الابتدائي وأتذكر أن كتبت نصاً عنوانه الطالب المجتهد. علمني المدرس أن أضع العناصر ثم أصيغها في نص واحد. مصدر اعتزازي أن شاهدت اسمي وصورتي في الصحيفة الحائطية في مدخل المدرسة.

سجلت في إحدى السنوات في جمعية المسرح وأخذت دوراً صغيراً في إحدى المسرحيات مع الأسف لم يلفت أدائي نظر المراقبين فصرفت النظر.

عندما أنهيت المرحلة الثانوية كنت قد تعلمت الكثير. مررت على أكثر من طريق من طرق المستقبل إلى أن وصلت إليكم في هذه الجريدة أو من خلال مؤلفاتي الأخرى.

أقول قولي هذا للمرة العاشرة لعل الإخوة في وزارة التعليم يتعرفون على تجارب محلية تعفيهم من الاستفادة من السويد أو فنلندا. ثمة طريقان إما أن يعد الطالب لحياته ومستقبله أو أن يعد للحزب أو للجماعة أو للأمة.

الجمعيات المدرسية يمكن أن تسهم بدور كبير في إعداد الطالب للنجاح. طبيعة هذه الجمعيات لا تسمح بتسرب الفكر السياسي أو الديني المتطرف. تطوير القدرات والمهارات يعزز الثقة بالذات. لن يبحث عن ذاته في الآخرين. جمعيات التطوير الذاتي تحرض على المنافسة فتقود إلى الاستقلال لا إلى الإذعان ودفء الجماعة التي تفكر نيابة عنه. سيكون صاحب مهنة يعتز بها. حزبه الوحيد زملاؤه في هذه المهنة.

الجمعيات الراعية للمواهب هدفها إعداد الطالب ليكتشف ذاته وطريق حياته. لا يترك مستقبله دمية في يد الآخرين.