الشخصية القيادية لا تولد جاهزة، بل تولد باستعدادات خاصة، المعول عليه المجال العام الذي تتحرك فيه، والتعليم الذي تتعرض له، والبيئة المستجيبة التي تصقل المواهب، والمؤسسات التي تترقى فيها بإمكاناتها وحضورها وقدراتها وكفاءاتها..

ليس من الصعب أن تلمح سلوكاً يوحي بأن طفلاً أو صبياً تتحرك فيه جينات القيادة بين أقرانه، انظر إليهم وهم يلعبون، سترى أن ثمة قائداً وثمة تابعاً وثمة جمهوراً.. وبقدر ما تتعدد الشخصيات سترى ثمة ملامح ذات مغزى في سلوك الصغار هنا وهناك، فهناك المطيع جداً والمستكين، وهناك المنفعل، وهناك الصامت، وهناك المتردد، وهناك الحيوي، وهناك الخامل أيضاً.

الشخصية القيادية تولد باستعدادات خاصة، فإما أن تتطور وتتعلم وتحسن توظيف ما وهبها الله من قدرات، وإما أن تنطفئ وتذوي ملكاتها تحت وطأة الإخضاع المستمر.

وبين الشر والخير، تقدمت شخصيات ذكية وقيادية إلى واجهة العصابات والمافيا.. كما تقدمت إلى محافل الإنجاز والعبور التاريخي بأقوامها لمعارج العلو ومصاعد الدولة.. نزعة القيادة وامتلاك أدواتها كما هي سلم للخيرية قد تكون أيضاً سلماً للشرور والعدوان.

وفي التاريخ الحديث والبعيد، ترى صوراً ومشاهد لشخصيات قيادية، استطاعت أن تسيطر على الجماهير وعلى النخب وعلى أدوات القيادة.. بعضها قاد الشعوب إلى الترقي والتقدم الكبير، وآخرون قادوها إلى الخراب والدمار.

وإذا امتثلنا للخيرية، ونزعنا جانب الشر الذي لا يمكن أن يولد به الإنسان، وإنما حياته وواقع وظروف نشأته التي تلاقت مع استعدادات كامنة قادته إلى ذاك المسار والمصير.. فسنجد أن الأمم التي استطاعت اكتشاف تلك الشخصيات وتقديمها لواجهة القيادة مع الضوابط التي تحول دون تحولها إلى حالة استبداد وما يستتبعه من الاستغراق في الذات الطاغية الحضور.. سنجدها الأقدر على توظيف تلك الملكات والقدرات والمواهب والاستعدادات لخدمة أهدافها الكبرى دون أن تبخس القيادة حقها وحضورها والاعتراف باستحقاقها وإنجازاتها.

ثمة نقطة جديرة بالتوقف، وربما شكلت عنواناً وأسلوباً أصبح سائداً في سلم القيادة والمسؤولية في منطقة لم تخرج بعد من هيمنة ومخاوف التنازع على القيادة، باعتبارها جزءاً من ثقافة الحكم، ولم تدرك بعد الخسارة الكبرى التي منيت بها عندما أفرغت سدة القيادة سوى من الزعيم الأوحد..!!

ولم يكن الشاعر العربي إلا مجسداً لهذا المفهوم الحاسم في سلم القيادة فهو لا يرى القيادة أو الصدر سوى له دون العالمين، مهما بلغت الكفاءة وبرزت المواهب وتجلت الفروسية في آخرين..

ونحن أنـاس لا توسـط عندنـا

لنا الصدر دون العالـمين أو القبر

وفي حين تهيمن صور الزعيم الأوحد، تتلاشى إمكانية تقديم شخصيات أخرى تملك مواهب القيادة.. وهذه العلة يحاول العالم أن يتخلص من عبئها وتركتها الثقيلة، وما زال العرب يتقاتلون من أجلها.. وليست تلك العلة فقط، وإنما تخطتها إلى مستويات يصبح سلم القيادة بلا قادة، فالشخصية القيادية مرعبة وغير مأمونة.. ولذا يبدو الفضاء العام بلا قامات أو حضور شخصيات يعول عليها في استعادة الثقة بقيادة من نوع مختلف..

وفي مرحلة تدعى بالمرحلة الثورية في المنطقة العربية التي سادت في الخمسينات والستينات إلى السبعينات ظل مشروع القيادة مقفلاً أمام القامات، التي تملك مواهب القيادة وحضورها وكاريزمتها ونزعتها.. لتأتي مقولة تشخص عوامل الانسداد في مشروع الدولة الوطنية بعبارة: «أهل الثقة وأهل الكفاءة» وكان الراجح أنها ظلت تقدم أهل الثقة.. حتى لو بدوا مجرد شخصيات منقادة تؤمر فتنفذ وتُنهى فتنتهي.. لا تفكر ولا تبادر ولا تقاتل من أجل رؤية أو مشروع.. ليظل ثمة فراغ كبير في القيادة ملأته أسراب أهل الثقة من الانتهازيين ومسوقي الوهم وبائعي الشعارات وأعينهم لا تغادر عين الزعيم.. وكل طموحهم رضاه وثقته بهم.

لم يحتمل الزعيم شخصيات قيادية مهما كانت كفاءتها إلى جواره.. إنه يرتاح لآخرين من نسيج أصبح شائعاً وسائداً ويكاد يطغى على المجال العام... فخلال عقود حدث تجريف كبير لكل قيادة يمكن أن يعول عليها في صناعة ملامح أخرى في بلدان ترزح اليوم تحت وطأة التخلف والهزائم المتتالية.. وصولاً إلى ما هو أخطر من احتمالات التفكك والانهيار.

الشخصية القيادية لا تولد جاهزة، بل تولد باستعدادات خاصة، المعول عليه المجال العام الذي تتحرك فيه والتعليم الذي تتعرض له، والبيئة المستجيبة التي تصقل المواهب، والمؤسسات التي تترقى فيها بإمكاناتها وحضورها وقدراتها وكفاءاتها لا بعلائق أخرى لا صلة لها بالإنجاز.. ولذا انحسرت مفاهيم القيادة في البراعة في انتهاز الفرص عبر وسائل وأدوات لا صلة لها بالكفاءة.

الأخطر من كل هذا، أن شيوع هذه الحالة ولد مفاهيم جديدة لطموح الموهوبين وسواهم، مما أدى إلى ولادة مفاهيم وتعزيز تصورات كلها تصب في صالح الشخصية الانقيادية، التي تنحصر مواهبها في الاستجابة العمياء.. والتركيز على مصالحها الخاصة.. حتى لو ترتب على ذلك تجاوز ومظالم وفساد.

وليس بالضرورة أن كل شخصية انقيادية تملك مواهب اقتناص الفرص أو لا تتورع عن التورط في الخطايا.. ولكن بالضرورة أن كل شخصية قيادية متميزة لا يمكن لها أن تبلور مشروعها القيادي وسط بيئة عمل تسعى بكل ما أوتيت لعزلها أو إبعادها عن هرم المسؤولية.