يعرف كثير من الناس المقصود بالشخص العصامي، وهو ذلك الإنسان المحظوظ الموهوب الذي كافح في حياته وتقلّب في محطاتها ليحقّق مركزاً متقدماً سواء في طلب العلم أو تنمية المال أو اكتساب النفوذ والسلطان وغير ذلك. وهو بالطبع غير الشخص العظامي الذي وجد نفسه محظوظاً بإرث الأجداد فلم يتعب كثيراً في بناء شخصيته وحضوره ولكنه قد يكون محظوظاً بتنمية ما ورثه وقد يتجاوز ما قدمه له الأجداد، بل إن بعض العظاميين استنار التاريخ بروائع سيرته، وحين تطالع بعض الأدبيات تجدها عادة ما تكتب عن الشخص العظامي بصور سلبيّة ممزوجة بشيء من الحسد والغيرة، وعلى النقيض من ذلك نجد أن العصامي غالباً ما يظهر في المحاضرات والكتب محمود السيرة والمسيرة، وتُختار مواقفه وأمجاده قصصاً تزين المجالس وتروى للأجيال للاقتداء ممزوجة بكثير من المبالغات التي تطرب لها الآذان.

ولكن من هو الشخص «الانفصامي» بين من ذكرنا؟ سأستعير هذا المسمى من علم النفس دون الخوض في التوصيف العلمي له، ويكفي أن المصاب بهذا الداء يعيش داخل شخصيتين أو أكثر، وكل شخصيّة منها تتمتع بخصائص ورغبات ودوافع بل وتتصرف بطريقة مختلفة جدًا؛ الشخص الانفصامي الذي نعنيه هنا هو تلك الشخصيّة الطموحة العجيبة التي لا تمثّل الشخصيّة الحقيقيّة لصاحبها وواقعها وإمكاناتها، وإنما صورة أخرى بشخصيّة ثانية كلها عجائب، هذا (الانفصامي) يحاول بهذه الشخصيّة إيجاد موقع قدم لطموحه، فهو لا يملك مواهب «العصامي» ولا «نسب» «العظامي» ليعيش الانسجام النفسي والعقلي متناغماً مع ما تسمح به ظروفه وقدراته، هذا الانفصامي لا يملك تراثاً من الأجداد يسعفه ليقال عنه هذا فلان «ابن «فلان» وجده «فلان»، ولم يؤت حظاً من علم حقيقي وموهبة ليتقدم الصفوف بكفاءته وتميز مهاراته وعلمه، والمؤلم أن هذه الشخصيّة لا تشعر بحالها ولا تقيم ذاتها وقدراتها، ولديها إعجاب هائل بذاتها محمول على قطار من الطموح الضخم لا تسمع إلا صافرته وغليانه.

هذا «الانفصامي» لا تخطئه العين إذ تراه هنا وهناك يقفز الصفوف ويتخطى الحواجز متسلحاً بالثمين من المراكب والثياب والكثير من الكذب والتضليل، ولا تستغرب فقد تجده متسلحاً بحرف «الدال» الذي بذل في شرائه الغالي والنفيس، وقد يسبق اسمه لقب كذا وكذا من ألقاب التفخيم والتعظيم التي منحها لنفسه أو استجلبها من نظير له في منظمة وهميّة أو هيئة هلاميّة لا وجود لها إلّا على موقع إلكتروني بائس.

ومما يميز الشخصيّة الانفصاميّة هو القدرة على التقلّب وتبديل الاهتمامات والولاءات بحسب الزمان والمكان وجاذبيّة مغناطيس القوة، ومما يتسم به صاحب الشخصيّة هو ثقته العالية في قدراته وأنه الجهبذ «المنتظر» لإدارة مؤسسة متعثرة أو إدارة ملف أثقل كاهل أشداء الرجال قبله.

والإشكاليّة الكبرى أن هؤلاء الانفصاميين يجيدون مهارات التسلّل وسط التناقضات وانتهاز الفرص، وقد يصل بعضهم في لحظات غفلة وسوء تقدير إلى مفاصل إداريّة مهمة في حياة الناس وأرزاقهم بوصفهم.

  • قال ومضى: «تكافؤ الفرص» يعني أن تصطف «الفرص الذهبيّة» أمام المحظوظ لينتقي منها ما يلائم «مزاجه».