في مقالة الأسبوع الماضي ( أين نحن ذاهبون بنظامنا الصحي؟ ) حاولت أن أقدم تمهيداً معرفياً حول النظام الصحي من الجانب الدستوري التشريعي والقانوني ومن جانب المفاهيم التي عادة ما نتناولها في الكثير من القضايا العامة فمثلاً عندما نتحدث عن النظام العالمي لا نقصد به السياسات الداخلية للدول، ففي المفاهيم عادة ما نتحدث عن الكل وليس الجزء أو النوع، وعلى ضوء ذلك فإننا عندما نفتح ملف النظام الصحي فإننا نقصد التشريعات والقوانين والخطط المنفذة على أرض الواقع التي تستهدف صحة الإنسان بمفهومها الشامل وليس تقديم الرعاية الصحية أو الشعارات.

اليوم يعتقد البعض ممن هم يتسيدون المشهد الصحي أن ما يقومون به من خطط تشغيلية وما ينفق من موارد له علاقة بالنظام الصحي ولكن الحقيقة عكس ذلك فما يتم في المشهد الصحي العام من إنفاق وخطط واستراتيجيات تهدف إلى تقديم الرعاية لجميع السكان وأن تكون تلك الرعاية ذات جودة وقريبة ويتم الوصول لها بيسر وسهولة وبعدالة.. الخ وهذا جزء يسير من النظام الصحي... علماً أن جميع الوزراء الذين تعاقبوا على الصحة كان كل واحد منهم يضع الخطط والاستراتيجيات ثم يذهب ولا يكملها ابتداءً من مشروع بلسم إلى مشروع الرعاية الشاملة والمتكاملة... وكلهم يحاولون جاهدين وبصدق أن يقدموا كل ما يمليه عليهم ضميرهم من مجهود ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.. مما أدى عدم التتابع في الخطط والمواصلة إلى خلق فجوات نتيجة عدم تنفيذ الخطط وكان ذلك على حساب تقديم الخدمة مما خلق حالة من عدم الرضا واليأس والتذمر والنقد لدى الرأي العام والقيادة من مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، وبالمثل القطاعات الصحية الأخرى غير وزارة الصحة فهي تقدم مثل تلك الخدمات لمنسوبيها ولكنها في نفس الوقت تعتمد على المعلومات المتوفرة لديها في مجال عملها دون الأخذ في عين الاعتبار ما يقدمه الآخرون مما جعل هناك تفاوت في جودة الرعاية الصحية والهدف وكذلك الرؤيا والرسالة علماً أن الجميع يتم تمويلهم من ميزانية الدولة.

عندما نحلل ما ينفق على الصحة بوجه عام فسنجد أن الإنفاق ينحصر في الرعاية الصحية أو بمعنى آخر الخدمات الصحية وبالتحديد فإن الأرقام المعلنة في الميزانيات السنوية في الغالب تنحصر في ميزانية وزارة الصحة وهذه الميزانية يذهب أغلبها للرواتب والأمور التشغيلية وفي إنشاء المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية وشراء الأدوية والصيانة الطبية وغير الطبية والمباني المستأجرة والمستلزمات الطبية..الخ، بينما لا توجد بيانات وطنية على عناصر وأدوات ما ينفق على النظام الصحي وما هي الأموال التي تصرف للبرامج والمبادرات التي تقوم بها الوزارات والهيئات التي عليها الحفاظ على صحة الإنسان وسلامته ووقايته... بالإضافة إلى معرفة متى نتخلص من سياسة التركيز على مفهوم المرض والعلاج، وما هي حصة الوقاية والصحة العامة من إجمالي الناتج الوطني، وكم يهدر من المال والموارد نتيجة هذه السياسات على الصحة العامة للسكان بشفافية حتى نعرف حال نظامنا الصحي وليس حال الخدمات الصحية؟.