حرية الرأي بين الحق والمصادرة

لعلّ ما واجهه ويواجهه المصلحون والمفكرون طوال تاريخ أمّتنا، سواء أكان ذلك على صعيد الإصلاح الدّيني، أم السياسي، أم الاجتماعي، هو أنهم يصطدمون بهذه الذهنيّات التي يزعم أصحابها أنها ذهنيّات إسلاميّة، ولكنّها في الواقع ذهنيات غوغائية..

يظهر ذوو الذّهنيـّات الغوغائية على قنوات التلفزة أو في الندوات والملتقيات العلمية، وكأنهم خرجوا للتو من عصر الكهوف، أو من إحدى سفن القراصنة؛ لكثرة ما يرسمونه على سحنهم من علامات التجهم والاكفهرار، وما يستخدمون من لغة مملوءة كراهية وعنفاً وغضباً.

وإذا ما رحنا نبحث في المعاجم العربية عن مصطلح الغوغاء، ومن أين جاء لا سيما أنه لا فعل له وقد كنت أظنه استخداماً حديثاً فإذا بلسان العرب يقول: «أصل الغوغاء الجراد حين يخِفّ للطيران، ثم استعير للناس المتسرعين، ويجوز أن يكون من الغوغاء وهو الصوت والجلبة لكثرة لغطهم وصياحهم»، إذن فلقد استعار العرب هذا اللفظ للتعبير عن حال الثائرين المتسرعين الذين لا يحسنون أسلوباً آخر للتعبير عن الاختلاف! حيث تقوم الصورة المجازية على علاقة المشابهة بين الجراد في صخبه، والثائرين الغاضبين في قوة الفعل وعنفه، وكما أن الجراد لا يقف في عنفه عند حدّ لأنه لا يعقل، فإن الثائرين تحت وطأة غضبهم لا يستجيبون لصوت العقل؛ تحت الشعور بفائض قوة.

وإذا كانت البيَّنة والتفكيرُ الموضوعيّ والحجّة المنطقيّة ليست من أدوات هذه الفئات، فإن الأسلوب الذي يقوم على التهييج، وعلى لَيِّ المعاني أو تسطيحها، وعلى ارتفاع الصّوت عموماً، ليس سوى مظهرٍ مخيفٍ من مظاهر الإخفاق في القدرة على تلقي رأي الآخر وقبوله أو رفضه، في أطر من التهذيب وتجنب الإسفاف. إن هذا النمط من السلوك ينقضّ على الحيّز العام ويمتلكه عنوةً، وبغياب سلطة رادعة يتحوّل إلى ظاهرة عارمة مهيمنة، وبمرور الوقت يصبح نمط حياة مقبولاً ومطلوباً، فيتصرف أصحابه وكأن الدنيا تابعة لهم، إذ لا ينصاعون للقوانين، ولا يقيمون وزناً للمكان وأهله.

وقد عانت فضاءاتنا الثقافية والفنية زمناً طويلاً من الفكر القمعي الذي حسب أربابه أنفسَهم وكلاءَ عن الله تعالى في الأرض، فلا عجب أن يحاول بعض بقاياهم إحياءه (أي الفكر) عندما صارت (شــمسهم بأطراف العسبان).

لا ريبَ أن الأسلوب القامع المصادر لرأي الآخر بقية من بقايا الفكر الصحوي في بلادنا، الابن البار لحركة الإخوان المفلسين التي قامت على الضجيج والكذب، والتدليس، وخداع الجماهير بادعاء التدين، والتعالي الكاذب، كما يمثله قول كبيرهم الذي علمهم السحر، حسن البنّا في كتاب (مجموعة رسائل حسن البنا): «نحن أيها الناس، ولا فخر، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعو لواءه كما رفعوه، وناشرو لواءه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين.. أيها الإخوان المسلمون: هذه منزلتكم، فلا تصغروا من أنفسكم، فتقيسوا أنفسكم بغيركم»، فيا له من استعلاء فارغ!!

إن بعض ذوي التوجهات الإسلامية الحركية في بلادنا هم الذين يكرسون ثقافة التقليد وفكر التخدير فلقد اتسمت مرحلة تغييب الوعي التي ما زلنا نعايش بعضها بملامح سيطرت على البنى الثقافية والاجتماعية في بلادنا؛ كممارسة دور الرقيب الخاص على كل ما يكتب وما يقال، وقد أوكلت هذه المهمة لنفر منهم، حدّ تغييب التفكير والتعبير الحر، لأن الناس باتوا يترددون في الإعلان عن آرائهم خشية وقوعهم في قبضة من يترصد أفكارهم، والشواهد على ذلك تملأ أجواء حياتنا الثقافية سواء على مستوى المشافهة أم على مستوى الكتابة، حيث تبدأ المساجلات حول موضوع محدد، ثم يستمر التراشق بالعبارات الجارحة والاتهامات، حتى يغيب الموضوع الرئيس الذي فجر شحنة الغضب لدى الثائرين. كما آثر كثيرون السلامة وتجنبوا الإعلان عن أفكارهم وكل ما يمكن أن يثير حفيظة الآخر المترصد بهم، وصار الناس يرون الأخطاء والأساليب التي تمارس ولا يحرك ذلك فيهم ساكناً حيث يصمتون صمتاً يبدو كأنه مباركة لما يحدث.

إنه لا يسع المسلم اليقظ الذي يتأمل ظاهرة التشدد الخالية من السند الفكري، إلا أن يتخيل النتائج الوخيمة التي تترتب عليها؛ وهي انحباس العقل داخل دائرة أطروحات وقضايا تبلورت في حقب معينة، فأصبحت هي التي تتحكم برؤية العقل للواقع، وتمنعه من تجديد أدواته وطرق تفكيره، وتجعله لا يعيش الواقع إلا على مستوى القضايا والأفكار المصاغة مسبقاً.

ولعلّ ما واجهه ويواجهه المصلحون والمفكرون طوال تاريخ أمّتنا، سواء أكان ذلك على صعيد الإصلاح الدّيني، أم السياسي، أم الاجتماعي، هو أنهم يصطدمون بهذه الذهنيّات التي يزعم أصحابها أنها ذهنيّات إسلاميّة، ولكنّها في الواقع ذهنيات غوغائية. لذلك، ينبغي الانطلاق في ذلك من المصادر الإسلامية الأصيلة، أي من موقع ثقافة أصيلة منفتحة واعية، لا من حال غرائزية. ويشخص نصر حامد أبو زيد هذه الإشكالية بقوله: «هذا الصراع يتجلى في مظاهر عديدة منها: تقديس التاريخ، وهو دراسته بمنهج الاحتفال والتوقير؛ وذلك في مقابل منهج التحليل والتفسير والنقد. منهج الاحتفال والتوقير يتعامل مع التاريخ الإسلامي من منظور التدوين ويتجاهل الصراعات والحروب...»، إذن ينبغي عند الشروع في قراءة التاريخ الإسلامي، قراءته بمنهجية علمية نقدية، تعزل الدين بما هو عقائد وشرائع وأوامر ونواهٍ مقدسة، عمّا هو ممارسات بشرية قابلة للأخذ والرد، ونزع هالة القداسة عن شخوصه. إن احترام التاريخ العربي الإسلامي والاعتزاز به شيء، وعدم النظرة الموضوعية له شيء آخر، ولكل إنسان الحق في اختيار ما يراه مناسباً له منه كما يقول عبدالله العروي: «التراث هو في متناول الجميع، ولكل شخص الحرية في أن يأخذ منه ما يعطيه التوازن وإرادة العمل».

ختاماً ينبغي تحجيم التيار المتطرف الذي يخلط بين المقدس وغير المقدس. ولا يمكن تحجيمه إلاّ عن طريق التيار الإسلامي الآخر الذي يعرف كيف يقرأ التاريخ الإسلامي بموضوعية، وكيف يفهمه ويفسره في ضوء المناهج النقدية الحديثة.






مواد ذات صله

Image

عفويات بشرية

Image

الذكاء المالي استثمار لنعومة الأظافر

Image

اقتصاديات الثقافة

Image

مواجهة التحديات البيئية

Image

الاحتياطات.. ضمان لنا والعالم

Image

العلا.. كصوت الكمان

Image

شخصنة المصلحة العامة إلى أين؟

Image

صدق ما تريد تصديقه







التعليقات

الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية هذه سنة الحياه الإختلاف ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة هناك تشدد ديني خوارج وهناك اعتدال وهناك تطرف في الأنفتاح وهناك منافقين وكل حزب يشوف نفسه على الطريق الصحيح وغيره شكلهم قردة وخنازير لكن هل من ينتقد المحافظين على ثوابتهم ثقافته كتاب الله كان الرسول والصحابة يتولون القرآن اكثر من نصف الليل واطراف النهار مشكلتنا تكمن اننا ننتقد الأخر دون نقرأ كتاب الله يوميا ونختمه مرة في الشهر لكي نتقد ثقافات الغرب والشرق واختلافنا مع المطاوعة علينا أن نفهم كتاب الله ليس عن طريق علماء دين اومفسرين بل نفهمه بأنفسنا دون واسطه

رؤية أكاديمية. استثنائيه بالطرح الموضوعي لكن يادكتوره حسناء الماء غلب على الطحين او كماقال زغلول لصفيه دثريني ياصفيه مابالحمض احد بلهجتنا الشعبيه انظري تقوم قيامة الفارغين وهم يحملون جولاتهم ليلتقطوا ماهب ودب لاشغال الناس والتجسس عليهم سرا وجعلوا وتعميم لقطاتهم على الناس والتشهيربهم واشغال المجتمع بالتافه والساذج وصرفهم عن الجوهر والمفيد الخ

الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية هذه سنة الحياه الإختلاف ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة هناك تشدد ديني خوارج وهناك اعتدال وهناك تطرف في الأنفتاح وهناك منافقين وكل حزب يشوف نفسه على الطريق الصحيح وغيره شكلهم قردة وخنازير لكن هل من ينتقد المحافظين على ثوابتهم ثقافته كتاب الله كان الرسول والصحابة يتولون القرآن اكثر من نصف الليل واطراف النهار مشكلتنا تكمن اننا ننتقد الأخر دون نقرأ كتاب الله يوميا ونختمه مرة في الشهر لكي نتقد ثقافات الغرب والشرق واختلافنا مع المطاوعة علينا أن نفهم كتاب الله ليس عن طريق علماء دين اومفسرين بل نفهمه بأنفسنا دون واسطه

4

 متعب الزبيلي

 2018-02-04 08:45:15

مفروض يمنع منعاً باتا الإتيان بكلمة حرية ، ويفترض ايضا ان لنضحك على أنفسنا

5

 محمود

 2018-02-04 07:40:02

اتفق معك تماما الاخوان و الاخوانجية يجب التصدي لهم لخطرهم العظيم على المملكة و الدول العربية التي يسعى هذا التنظيم الاجرامي لدمارها , وقى الله بلادنا من شرورهم. المفترض منعهم من العمل في المدارس و الجامعات حتى لا يخربوا عقول النشء بفكرهم الضال.