يتبادر إلى ذهني عادة السؤال: هل تتخاصم الجهات كما يتخاصم الناس؟ إن الشعور أن الجهات تتصرف كما يتصرف الأفراد وارد، والسبب أن المؤسسات تتكون من أفراد ابتداء. لكن الفرد في المؤسسة يتعلم من بيئته العادات السيئة والحسنة. ومن العادات السيئة عدم التشجيع على التواصل مع أصحاب المصلحة. يكفي أن تحضر اجتماعاً واحداً لتعرف بيئة المؤسسة، عندما تبحث في وجوه الحاضرين بحثاً عن عضو من خارج المؤسسة أو الإدارة فلا تجده. أو أن تحضر اجتماعاً داخلياً ولا يسأل أحد السؤال المهم: هل فاتنا أن ندعو أحداً؟

حضرت ورشة عن إدارة مخاطر المشروعات العام الفائت، وكان من المشاركين في الورشة الأميرال المساعد ديفيد فيلنت المشرف على برنامج طائرة الفانتم F-35. سألته عن أهم خطر في رأيه يهدد قدرة الفريق على تنفيذ المشروع بكفاءة فأجاب: إن فقدان الثقة بين أعضاء الفريق في بيئتهم هو الخطر الأكثر تأثيرا. فقدان الثقة، حسب كلام الأميرال المساعد، هو ما يجعل الفريق يقطع التواصل مع ذوي المصلحة، ومن هنا تبدأ المشاكل. واجه فريق الفانتم صعوبات تنفيذية في إحدى مراحل المشروع، وتطلب من قيادة الفريق البحث عن الأسباب الجذرية التي أدت إلى هذه الصعوبات. كانت نتيجة البحث أن ضعف الثقة كان سبباً في قطع التواصل مع أصحاب المصلحة، مما أدى إلى ضعف في فهم متطلبات المشروع، الذي أدى في النهاية إلى إعادة التنفيذ لعدم الالتزام بالمواصفات. ما يحدث في مشروع يمكن تعميمه على المؤسسات.

نظرا لحجم مؤسسات الدولة، يضعف التواصل بين أفرادها، وينتج من ذلك فجوات في الفهم، وقد يتطور الأمر إلى عدم الثقة ثم التقاطع. وإذا حدث ذلك أصبح العمل في كل جهة مثل القطار السريع الذي يرى الطريق أمامه مفتوحاً فيسرع في التنفيذ دون أن يعرف أن قطاراً آخر يسرع مثله في الضفة الأخرى. قد يسبق أحدهما الآخر، لكن الخطر المحدق هو أن يصلا إلى النقطة نفسها في وقت واحد. في كثير من الأحيان، قد يكون هروبك مما تخشاه سبباً في حدوثه. وهذا ما يحدث عادة عند تجاهل أصحاب المصلحة، حين تكون الذريعة في عدم التواصل هي الخوف من تعطيل العمل، فيكون عدم التواصل نفسه سبباً في التعطيل. بل إن عدم التواصل بين الجهات يؤدي إلى ما هو أعمق من تعطيل العمل، وهو فقدان الثقة.

فقدان الثقة هو المحصلة من عدم التواصل مع الجهات، وهو ما حذر منه ديفيد فيلنت عندما التقيته على هامش ورشة مخاطر إدارة المشروعات، حيث ذكر أن الوقت الذي اختصرناه في تنفيذ العمل أنفقناه في إعادة التنفيذ إضافة إلى الوقت والجهد الذي قضيناه لإعادة الثقة.