لدى كل مجتمع حالة من الرفض في مواجهة أي تغيير يطرأ على ثقافته أو مفاهيمه السائدة، حتى لو كان ذلك هو التطور الطبيعي المنسجم مع المحيط الإقليمي الذي ينتمي لذات الجذور والعادات والتقاليد، والحل الأمثل للتخلص من العديد من السلبيات التي نعيشها حاضراً وقد نعاني من تبعاتها مستقبلاً.

مجتمعنا السعودي ليس استثناء، فها هو الآن يشهد مرحلة مفصلية تتطلب مرونة أكبر في تقبل التغيير عن تلك التي كنا نتعامل بها مع كل جديد أصبح وبعد سنوات من الرفض غير المنطقي من المسلمات.

تعليم البنات، عمل المرأة، السيارة، الراديو، الهاتف، التلفزيون... كلها قوبلت برفض واسع عند شرائح معينة في البداية ولو كانت تعاملت مع هذه المفاهيم والتقنيات بطريقة مختلفة لكان هذا مدخلاً لمعالم نهضوية جديدة تأخرنا في استيعابها وتقبلها فبقيت لعقود في خانة المحرمات.

قيادة المرأة.. السينما.. عودة الحفلات الموسيقية والترفيه.. أكبر دليل على مدى تخلفنا عن إدراك ما كان متقبلاً حتى لدى أجيال سبقتنا كانت أكثر انفتاحاً في استيعاب ما توفر لها من أدوات الحضارة وتطويعها لتغيير الواقع والنهوض به نحو المستقبل.

من يرفض التغيير نوعان: الأول.. مكابر يتمسك بأفكاره التي ينظر إليها كثوابت لا يمكن التخلي عنها حتى لو اكتشف لاحقاً أنها ليست كذلك، والثاني.. جاهل يتبع النوع الأول في كل ما يقوله عن غير علم بل ويدافع عن الفكرة حتى أكثر من صاحبها الذي ينادي بها ويؤمن باتساقها مع العصر الذي نعيش فيه.

لا يمكن تجاهل هذا الرفض أو اعتبار من يمارسه تحصيل حاصل فكل فرد من هذا الكيان مطالب بالمشاركة في تقبل ولو محدود لهذه المرحلة حتى لا يكون عالةً على الآخرين أو ما يشبه عصا تعرقل عجلة التنمية، لذا فإن النقاش الصريح والشفاف الذي لا يصادر الرأي الآخر مطلوب بل وحتمي مع الإيمان الكامل باستحالة تبني الجميع لهذا التغيير بذات الحماس.

في المقابل.. ليس من حق من يرى نفسه ثورياً في تبني التجديد النظر إلى الآخرين وكأنهم أقل حضارة منه فيتحدث عنهم بتعالٍ دون أن يدرك أن ما يعيشه من انفتاح ما هو إلا نتيجة ما ناله من فرص للتعلم والسفر والاحتكاك بثقافات وبيئات مختلفة عن التي عاشها أو تعرض لها البقية.

تذكروا جيداً.. أن الكثير من الأفكار التي نحاول التخلص منها الآن كانت حتى وقت قريب جزءاً مما نعده جانباً من هويتنا الراسخة كمجتمع محافظ، لذا يعتقد البعض أن التراجع عما كنا نمارسه من تشدد وتخلف تحت شعار (الصحوة) ما هو إلا تخلٍ عن هذه الهوية، وفي ذلك إجحاف وظلم كبير لكل هذا التنوع الثقافي والجغرافي والمذهبي الذي امتزج تحت راية التوحيد التي تظلنا جميعاً دون استثناء.. وهذا هو ما يميزنا فعلاً دون غيره.