لا جديد.. مات سراج عمر، وسنبدأ من الآن في التفكير بطريقة لائقة لنعي هذا الموسيقار الكبير وتكريمه. سيتسابق الكتاب والفنانون لذكر مآثر الرجل، وستتهافت المهرجانات والجمعيات لتسمية فعالياتها المقبلة بإسمه، وستمنحه درعاً تكريمياً تقديراً لمسيرته الفنية الحافلة!. وسيتم تقديم كل شيء من أجل تكريم فنان عملاق في وقتٍ لن يحتاج فيه لهذا التكريم ولن يستفيد منه إطلاقاً. وهذا للأسف ديدننا مع كثير من أعلامنا الكبار، لا نفكر في تكريمهم إلا بعد أن نواريهم الثرى.

وهج "سراج" عمر لم ينطفئ الآن بإعلان وفاته، بل انطفأ قبل ذلك بسنوات، حينما توقف قسراً عن التأليف الموسيقي بسبب اختلال وضع الساحة الفنية وتقاعس الجمعيات الفنية. لم يجد جهة ترعى إبداعه وتسمح له بالتفرغ لتأليف الموسيقى، وتُرك في الهامش يقاسي الوحدة والجحود. ولو وجدت مؤسسة أو جمعية أو حتى شركة إنتاج تهتم به وتدعمه لرأينا إبداعاً أكبر من مؤلف "أغراب" و"مقادير"، لا بل قد يدهشنا بمؤلفات موسيقية تتفوق على كل ما قدمه.

التكريم الحقيقي لأي مبدع هو توفير المناخ المناسب لاستمرار موهبته، أن يبقى موجوداً ومؤثراً، أن يشعر بالاهتمام والتقدير ليس لشخصه بل لموهبته. وفي حالة مبدع مثل سراج عمر، فإن التكريم الذي كان من الأولى تقديمه له هو تفريغه للتأليف الموسيقي، وتنظيم حفلة موسمية له، ليقدم آخر إبداعاته لجمهور شغوفٍ بموسيقاه. هذا هو المشهد الطبيعي الذي يتمناه أي مبدع والذي تتنفس خلاله الموهبة وتُخرج أفضل ما عندها، ولنا في الموسيقار المصري عمر خيرت مثالاً ناصعاً، فرغم تقدمه في العمر مازال يعطي ويبدع ويدهش، وليتنا تعاملنا مع سراج عمر في حياته بهذه الطريقة بدلاً من هذا التجاهل الطويل الذي حرمنا من روائع موسيقية ظلت حبيسة عقله.

لكن ماذا يفيد هذا الكلام الآن.. لقد رحل سراج وانتهت رحلته. وسنبدأ اليوم -مثلما اعتدنا- رحلة تكريم المبدع الراحل وكأننا لا نعرف إلا تكريم الموتى. لقد رحل سراج لكن بقي بيننا عشرات الموسيقيين الكبار الذين لا زالوا أحياءً ينتظرون التقدير والاهتمام. هلا حاولنا أن نغيّر معهم عادتنا السيئة، ونمنح مواهبهم قليلاً من الاهتمام في حياتهم؟. إن مجرد التفكير في حجم الإبداعات الموسيقية التي لا زالت حبيسة عقول هؤلاء ولم تجد فرصتها للظهور، وحجم الخسارة التي نتكبدها من عدم ظهور هذه المؤلفات، سيجعلنا نسارع لابتكار المناسبات والفعاليات التي تسمح لهم بالعزف والتأليف والإبداع، هذا هو التكريم الحقيقي الذي يريده المبدع، أي مبدع، وليس تكريم الدروع والهدايا التذكارية، وبالتأكيد ليس تكريم النعي والتأبين بعد الرحيل.