كانت الثقافة الاجتماعية قبل خمسين عاماً مضت مختلفة تماماً عن ما هو عليه الحال اليوم في منطقة الباحة، والعديد من المناطق الأخرى في المملكة العربية السعودية، ومن بلغ العقد الثالث ممن عاصروا تلك الحياة يصفونها بالأجمل، ويطلق عليها «الزمن الجميل» لا شيء يمنع المرأة، فهي تعمل جنباً إلى جنب مع الرجل في كل شيء في جلب الماء والفلاحة وأعمال الحياكة والدباغة واستخراج أجمل الألوان والأصباغ من الطبيعة، وتربية الأبناء، وكانت المرأة قبل ذلك تشارك الرجال في المساجلات الشعرية، حيث كان هناك ما يسمى الشبك ودبكة «الهرموج» وهي شبيهة بالدبكة اللبنانية تماماً عدا أنها كانت تؤدى في صفين متقابلين أحدهما من النساء وفي المقابل من الرجال، وهناك العديد من الشواهد الشعرية والنثرية والأمثال في موروث المنطقة على تلك العادات.

كانت هناك قيود وأعراف وأنظمة وضعها العقل الجمعي العشائري منذ القدم، حيث إن هناك عقاباً شديداً لمن يلاحظ عليه أي صفة من التحرش فهو يستدعى ويعلن عنه في السوق أمام الناس ويقف أمام الجميع فيرمى ظله ببندقية للتشهير بسلوكه والمثل الدارج في منطقة الباحة يقول: (أدفع نصف مالي ولا يرمى خيالي)، ثم يحذر بعد ذلك من كسر الأعراف ومخالفة السلوك!!

يقول سعيد الغامدي 65 عاماً: كانت المرأة في منطقة الباحة قديماً تتمتع بحماية وتقدير في ظل حريتها التي كانت تتمتع بها، فهي الأم والأخت والزوجة، وهي الملهم لكل ما يحث على الإبداع في شتى المجالات، حيث تزخر البيوت القديمة بأجمل الزخارف الخشبية من إبداع الرجل الذي يظهر كل مهاراته للأنثى، كما كان الشعراء يطلقون أجمل الشعر وأصدقه وأعذبه، وكان البنّاء يظهر كل ما يستطيع من براعة في بناء الحجر، وكذلك المقاتل والمبارز عندما يشعر بمتابعة الفتيات له ولقوته يزيد حماسه فيظهر براعته وشجاعته.

«مسنو الباحة».. يكافحون غربتهم بالعودة للزمن الجميل

أما عبدالله الزهراني 61 عاماً فيقول: كانت المرأة توقف الحروب بين القبائل بمجرد دخولها برفع البيضاء؛ وهي قطعة قماش تسمى راية الذمة حيث يتوقف المتقاتلون فوراً حسب العادات والأنظمة القديمة احتراماً للراية البيضاء وللمرأة وشجاعتها.

ويضيف كانت الأمهات يصدحن بأصواتهن الجميلة وبأعذب الكلمات بطرق الجبل ذلك الموال الجميل الشبيه بلون «الزهيريات» في العراق والكويت، وكن الفتيات كذلك يرددونه أثناء الرعي والاحتطاب في جبال تهامة والسراة في منطقة الباحة، ويشاركن الرجال في شتى مجالات الحياة، فكانت الحياة ملهمة للشاعر والفنان والروائي، ومن يتابع المنازل القديمة، سيجد منازل تكتنف من لمسات الفنان «المُلهم» ما يبهر العيون لجمالها من الداخل، وقد كستها الزخارف بحرفية ذلك الفنان الذي كان يطلق عليه النجار، وفي المقابل فإن للنساء لمسات فنية رائعة تبهر الرجال في حياكة العباءة، وتسمى «الجُبّة»، وهي من الصوف الذي يتم جمعه ونفشه ثم برمه وتحويله إلى خيوط للحياكة وصبغه بألوان طبيعية تقوم المرأة بخبرتها بالبيئة ومعرفتها بالنباتات الطبيعية باستخراجها من قشر الرمان ولب شجر السدر ونبات العفار والضرم وغيرها، إضافة إلى أعمالها في صناعة النفي والخوص من سعف النخيل مثل الهطاف الواقية عن الشمس وهي قبعة للرأس تستخدم أثناء الحصاد والزنابيل وغير ذلك . وفي الواقع أن غالبية كبار السن من أهالي الباحة يتنهدون ويتشوقون إلى تلك الألفة والشراكة المجتمعية التي اختفت منذ دخول الصحوة التي قضت عليها، علماً أن مساجدهم آنذاك كانت عامرة بالعبادة، وإقامتهم للأذان والصلاة كان بالمجان وبدون رواتب. حيث أجمعوا على أنهم كانوا يستقبلون القبلة ويبتهلون بالدعاء لطلب الغيث ثم يذبحون صدقة، وما أن ينتهي الجميع من سلخ الجزور حتى تنهمر السماء بالمطر بإذن الله سبحانه وتعالى فيغرق الناس ويعم الخير. وحول ذلك يقول أحد كبار السن ليتنا نعود كما كنا أسوياء، فقد كانت حياتنا في ذلك الزمن هي الأجمل وهي الصحوة الثقافية الحقيقية.

إحدى الصور القديمة للمرأة في السراة
صورة قديمة لفتيات من الباحة
لوحة للفنان خالد سراج تجسد فتاة الجبال قديماً