لا يزال إلقاء القبض على مجرمين تنكروا بالعباءة النسائية كمحاولة للتخفي أو الهروب أو تنفيذ جريمتهم يتردد بين حين وآخر، في ظل استغلال العناصر الإجرامية، سواء الإرهابية أو مرتكبي جرائم الخطف والتسول والسطو والتهريب لخصوصية المرأة والتعامل الخاص الذي تحظى به في كثير من المواقع، حيث يشكل الاستغلال الصريح لحجاب المرأة وخصوصيتها ثغرة خطيرة قد تستمر، وربما تتطور بتطور أدوات الجريمة ما لم يتم استحداث وظائف أمنية للنساء عبر نقاط التفتيش المختلفة.

اليوم ومع قرار السماح بقيادة المرأة للسيارة المنتظر تطبيقه شوال المقبل، وما يترتب على هذا القرار من أهمية وضرورة استحداث هذه الوظائف في نقاط التفتيش الأمنية على الطرق وغيرها؛ ليتم من خلالها التحقق من الشخصية والتفتيش وحتماً تتجاوز هذه الوظائف دورها في الضبط المروري لتساهم فيما لو أقرت بالحد من جرائم انتحال شخصية المرأة واستغلال العباءة النسائية من قبل المجرمين والملاحَقين أمنياً.

جريمة انتحال الشخصية

وفي هذا الشأن أوضح د. أحمد عسيري -الباحث في علم الجريمة- أن من جرائم الأحوال المدنية جريمة انتحال الشخصية وهو جرم بيّن، يعاقب عليه في كافة التشريعات والأنظمة القانونية، ناهيك عمّا يترتب عليه من شروع في سلوكيات وأعمال تضر وبشدة الشخصية المنتحَلة المعتدى عليها.

مضيفاً أنه في الواقع هناك استغلال سيِّئ للغاية لبعض القيم الاجتماعية الحميدة التي تميز مجتمعنا، والدارجة مثل احترام الخصوصية العائلية في ظل غياب العنصر النسائي الضابط على الطرق العامة، وكذلك عدم الاهتمام بالجانب التنظيمي في قاعات الأفراح والتجمعات النسائية، والتي يقتصر التنبيه بها والرقابة على مجرد منع الجوال بالكاميرا وعدم اصطحاب الأطفال، وهو استسهال مصاحب لعدم الوعي والإلمام بما استجد من موجبات الحذر واليقظة، وأيضاً القصور البائن في سبل الوقاية ومنهجية التثقيف الجماهيري لمحاذير وأخطار الإهمال في هذا الجانب وما يترتب عليه.

وبين عسيري أن مصدر الخطر في الدعوات العامة والمشاعة للجميع حضوراً أو مشاركة، والتي بالإمكان درء عواقبها بنشر ثقافة بطاقات الدعوة التي يمكن من خلالها حصر أعداد المدعوين، وبالتالي معرفتهم الشخصية أو الاعتبارية والقدرة على الفرز والمتابعة وبما يضمن احتواء الجميع.. مستدركاً أن جريمة انتحال المرأة والتنكر بالعباءة النسائية لم تصل إلى حد الظاهرة؛ لكنها موجودة عطفاً على بعض المشاهدات والمضبوطات على أرض الواقع والتي مفادها تسلل البعض في هيئة نساء لأهداف وأغراض أخطرها ما يمس الأمن وسلامة الأرواح والإضرار بمقدرات ومكتسبات البلاد المادية والمعنوية، ومحاولة النيل من سمعتها كدولة حاضنة لأشرف وأقدس البقاع.

وأشار إلى أن بعض حالات التنكر تأتي بتجاوزات غير أخلاقية تتمثل في التحرش، واقتحام الخصوصيات، والفضول المصاحب لمرحلة عمرية معينة، لم تجد حقها من الرعاية التربوية السليمة، وأبعادها قد تكون وخيمة وبداية لانتهاكات شرعية وقانونية لاحقة تزداد خطورة في حال التمادي بها مع عدم وجود الرقيب والرادع الضابط.

وفيما يتعلق بدور العبادة وما لها من أهمية وقدسية من منطلق أنها مخصصة لركن إسلامي أساسي؛ فلها وضعها الخاص بتهيئة جو الخشوع والطمأنينة، وهو ما افترض بعدها عن إجرام الفئات الباغية، فكانت في السابق بمنأى عن التدقيق المشدد كإجراء وقائي؛ إلا أن التعدي عليها واستباحة الدماء بها بأبشع الطرق والوسائل وبغير المتوقع، كل ذلك فرض منهجاً مغايراً، وضرورة لتفادي ما استجد من مخاطر أمنية، ومنه مثالاً لا حصراً إحداث الوظائف النسائية وأهمية تدريب من يشغلنها للتعامل مع المواقف الموجبة للتصدي وبشكل فاعل لكل محاولات تدنيس دور العبادة والإضرار بها وبمرتاديها.

إجراءات مكثفة

تابع عسيري أن الموافقة للمرأة بقيادة السيارة تشكل بداية إيجابية ملحوظة لإجراءات مكثفة لاحقة هي الآن قيد الإعداد، كوجود إدارات ومراكز مرورية داخل المدن وخارجها معنية بالانضباط الذي سينعكس وبشكل موسع على الجوانب الأمنية المتعلقة بالتعريف والتحقق من الشخصية من خلال الهوية والمستندات الثبوتية المسوغة للتملك أو التفويض، أيضاً بما يعزز دور نقاط التفتيش الدائمة والمؤقتة في العمل على تطابق الهوية مع صاحبتها، وهو مالم يكن لولا وجود الموظفة المهيأة والملمة بأهمية وسلامة الإجراء.

وأكد عسيري على أن الدور النسائي موجود ومن وقت مبكر ضمن العاملين في التنظيم والمتابعة في الحرمين الشريفين تمشياً مع سياسة المملكة في حماية وخدمة الديار المقدسة، وبما يكفل أداء العبادات بكل أمن وأمان ويسر وسهولة كما تضطلع المرأة بالعديد من الوظائف الأمنية المهمة المنوط بها التحقق من الشخصية، ومنع دخول المواد الخطرة والمخدرات والممنوعات المصنفة الأخرى، وذلك من خلال أدائها في المنافذ الحدودية المتعددة وأثبتت فيه جدارة ملموسة وجديرة بالاحترام والتقدير كواجب وطني لا يقل عن آخرين في حماية الثغور.

مطالبات باستحداث وظائف نسائيــة في نقاط

التفتيـش على الطـرق قبـل العاشـر من شـوال

اليقظة الأمنية موجودة

من جانبه أوضح العميد المتقاعد طلال الصيدلاني -مستشار أمني- أن استغلال العباءة النسائية أسلوب اعتمده بعض المجرمين لتنفيذ جرائمهم مستغلين ثقافة المجتمع السعودي المسلم والمحافظ الذي يحترم المرأة ويقدرها وهو أسلوب إجرامي يقوم به البعض بغية التخفي وارتكاب الجريمة محاولة منه في الإفلات من العقاب، مضيفاً أن هناك عدداً من الجرائم التي ارتكبت من قبل بعض الأشخاص الذين انتهجوا هذا الأسلوب ولكن لا نستطيع أن نقول: إنها في ازدياد؛ كما أن اليقظة الأمنية موجودة دوماً وتم بحمد الله القبض على الكثير منهم وكشفهم والمتابع للوضع الأمني في المملكة يجد أنه كثيراً ما تطالعنا الصحف بأخبار القبض على مجرمين قاموا بارتكاب جرائمهم وهم متنكرون بالعباءة والنقاب.

وأشار الصيدلاني إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تراجعاً لسد تلك الثغرة لكن الأمر يتطلب من المسؤولين دراسة متعمقة لأهمية تأهيل المفتشات بشكل كامل وتدريبهن على طرق الكشف والتفتيش سواء في نقاط التفتيش الداخلية أو على المنافذ الحدودية.

ويرى عند التثبت من الشخصيات أن يتم تقديم الهوية الشخصية للمرأة عند نقاط التفتيش -أينما كانت- ولا يكتفى بالبطاقة العائلية لافتاً إلى أنه في حال اتخذت الخطوات الصحيحة في هذا الأمر ووضع النظام بما يكفل حماية رجل الأمن وأيضاً التأكد من هوية المرأة سيتحقق بإذن الله تعالى المقصود والمرجو في تحقيق الأمن والأهم أنه سوف يغلق باباً أمام كل من تسول له نفسه ارتكاب جريمة أو الإخلال بالأمن.

تأهيل وتدريب العاملات

في المجال الأمني

وتوقع الصيدلاني انحسار وتراجع استغلال هذه الثغرة عند تأهيل وتدريب العاملات في المجال الأمني بالشكل الصحيح على كيفية التعامل مع المرأة وأيضاً وهذا المهم كيفية التعامل مع المتنكر بزي المرأة عبر ارتداء العباءة والنقاب، فلا يجب أن نغفل أن من يتنكر بلبس العباءة والنقاب هو مجرم وستكون ردة فعله غير متوقعة بل قد يتصرف بعنف تجاه المفتشة متى ما أحس أنه تم كشفه وهنا تكمن الخطورة وهذا ما أقصده من أنه يجب أن يكون لديهن المهارات اللازمة في كيفية التعامل مع هذه الحالات وبكل تأكيد أن هذا الأمر سيعود بنتائج إيجابية ويسهم في كشف العديد من الجرائم التي ترتكب من قبل ضعاف النفوس الذين يستغلون ثقافة المجتمع والقيم الدينية لارتكاب جرائمهم.

المادة السادسة

ونوه خالد الحابوط -محامٍ- أن انتحال الصفة جريمة يعاقب عليها في الشريعة وفي الأنظمة والمواثيق الدولية حيث جاء في الإعلان العالمي لحقوق الانسان في مادته السادسة باحترام الشخصية القانونية لكل إنسان.

وتابع بقوله: يمكن تقسيم انتحال الشخصية باعتبار العموم والخصوص إلى قسمين القسم الأول انتحال صفة خاصة لشخصية منيرة مثلاً، والقسم الثاني انتحال صفة عامة لشريحة من المجتمع كانتحال صفة رجل السلطة العامة وقد صدر نظام بانتحال صفة رجل السلطة العامة.

وأشار الحابوط إلى أن أهمية تعيين النساء في نقاط التفتيش بعد قيادتهن للمركبات يأتي متجانساً مع الأنظمة والتعليمات الخاصة في التعامل مع المرأة في قضاياها الجنائية فيما لا يمس كرامتها، ومؤكداً على أن استحداث نقاط التفتيش النسائية ستنحسر جريمة انتحال صفة المرأة.

وعن عقوبة انتحال صفة المرأة بارتداء زيها الشرعي أكد الحابوط على أنها عقوبة تعزيرية مرسلة بمعنى تقديرية من القاضي تشدد هذه العقوبة، وتخفف حسب الجريمة الكبرى التي من أجلها ارتدى الرجل زي المرأة.

فيما يرى أن هناك حاجة لنظام أو لائحة جزائية لجريمة انتحال الشخصية تُرتب فيها العقوبات حسب خطورة الانتحال وآثاره وصور انتحال الشخصية كثيرة ومتكررة منها انتحال صفة الشخص الإلكترونية وانتحال صفة المرأة لامرأة أخرى عند كتّاب العدل وغير ذلك من الصور.

تعزيز وظائف المفتشات النسائية بات ضرورة تتطلبها المرحلة
يقظة رجال الأمن أحبطت الكثير من حيل المجرمين في التخفي
د. أحمد عسيري
طلال الصيدلاني
خالد الحابوط