كانت السياحة في الماضي عبارة عن انتقال الأفراد إلى بلاد غير موطن إقامتهم لا على سبيل الاستيطان الدائم، وهي إذ ذاك تدور المسائل الفقهية المتعلقة بها على مسائل في العبادات والمعاملات، مثل شروط الترخص في سفر السياحة، وأنواع الرخص الشرعية في هذا السفر؛ كالتيمم والمسح على الخفين والقصر والجمع والتنفل على الراحلة والفطر، أيضاً ما يتعلق بالصلاة في الطائرة وفي ذلك عدد من المسائل، وفي أبواب المعاملات والأطعمة والأشربة عدد من المسائل.. إلى غير ذلك.

وتلاحظ في هذه المسائل: أنها محددةٌ تتعلق بأفراد سافروا عن بلدانهم إلى بلدان أخرى؛ أما الجديد في هذا الموضوع؛ فإن السياحة أخذت منظوراً معاكساً، فبينما كان الحديث عن أفراد يسافرون، أصبح الحديث عن السياحة باعتبارها علم أسست لأجله كليات ومعاهد وهيئات ووزارات، وتستهدف الدول من وراء ذلك اقتناص أكبر حصة ممكنة من السياح حول العالم.

وبينما كان الحديث عن السياحة باعتبارها ترفيهاً وترويحاً عن النفس، أصبحت السياحة وجهاً معبراً عن حضارة وثقافة وتاريخ الدول والشعوب، من خلال المعالم الأثرية والتاريخية، مما يحقق مكاسب فكرية وثقافية وسياسية.

وبينما كانت السياحة ترفاً أصبحت تمثل مصدراً مهماً من مصادر الدخل القومي، بل وتساهم في دعم قطاعات أخرى بطريق مباشر أو غير مباشر، لاسيما ما يتعلق بالبنية التحتية وقطاع التكنولوجيا، ووسائل النقل البري والجوي، بالإضافة إلى زيادة التدفقات المالية وتشغيل اليد العاملة.

بهذا التصور الجديد للسياحة الذي بدأ بالتشكل من بعد الحرب العالمية الثانية وأخذ بالتزايد وبلغ أوجه في عصرنا الحالي، ينبغي أن يدرس ما يتعلق بهذا القطاع فقهياً، بحيث ترتكز دراسته على مقاصد الشريعة وأصولها العامة ورعايتها لجلب المصالح ودرء المفاسد في ضوء السياسة الشرعية، خاصة ما يتعلق بالتنمية السياحية، والمنتج السياحي، والخدمات السياحية، والمنطقة السياحية، ووسائل الجذب والترويج السياحي من طبيعة أو ثقافة أو تاريخ أو حضارة، ونحو ذلك.