أكد الكاتب العراقي نزار جاف المتخصص في الشأن الإيراني، أن النظام الإيراني استوعب رسالة الانتفاضة الشعبية ولكن لا يبدو أنه مستعد لتقبل معطياتها، ويحاول جهد إمكانه امتصاص زخمها والالتفاف عليها بأساليب وطرق مختلفة، لكن ذلك محال، وكما أن فشله في الاستجابة لمطالب انتفاضة 2009م قد جعلته يوفر أرضية انتفاضة يناير 2018م، فإن إصراره على السير بنفس السياق سيؤدي إلى مواجهته العاصفة النهائية.

وأضاف جاف في حوار لـ»الرياض» أن إيران شئنا أم أبينا تمر بمرحلة مخاض تماماً كما كانت الحال في العام 1978م، أي قبل عام من الثورة الإيرانية، فالنظام محاصر بالأزمات والفشل يلاحقه في كل مجال، إلى جانب فساد استثنائي ينخر بركائزه الأساسية بكل قوة، وقبل كل ذلك رفض شعبي واضح وضوح الشمس.

وفيما يلي نص الحوار:

*بداية.. هل يمكن القول إن نظام الملالي في طريق الزوال؟

-الأوضاع التي يعاني منها النظام الإيراني منذ انتهاء عهد الرئيس الأميركي السابق أوباما وحتى الآن هي أوضاع غير مسبوقة من حيث وخامتها، فهو يواجه رفضاً داخلياً قوياً لمسه العالم في الانتفاضة الأخيرة ورفضاً «عربياً ـ إسلامياً» إلى جانب رفض غربي يتمثل بتشديد العقوبات ضده وإعادة النظر في الاتفاق النووي، إلى جانب الضغط عليه في مجال الصواريخ الباليستية وتدخلاته في المنطقة، هذه الأمور إذا ما أضفنا إليها أزمة النظام الاقتصادية والفكرية والاجتماعية الطاحنة، فإن بإمكاننا القول إن من الصعب جداً على النظام أن يخرج من هذه المرحلة بسلام، مع الأخذ بنظر الاعتبار احتمال أن يلجأ إلى إثارة أكثر من مشكلة أو فتنة في المنطقة لكي يخلط الأوراق ويقلل من الضغط الموجه ضده، كما أنه قد يلجأ للّعب على الاختلافات الدولية وسيسعى لاستجداء دعم استثنائي من جانب الروس، والروس باعتقادي لن يقدموا شيئاً لنظام يرونه في طريقه للانهيار من دون مقابل، ناهيك عن أن روسيا لا يمكن أن تندفع إلى نهاية الخط إلى جانب طهران، وقد تتخلى عن طهران عندما يقدم لها طعم نوعي من قبل الغرب.

*من الذي يسيطر على الشارع الإيراني الآن؟

-النظام الإيراني طالما ادعى بأنه لا يسيطر على الشارع الإيراني فقط وإنما على الشارعين العربي والإسلامي أيضاً، ولكن لو سحبنا زعمه هذا على أرض الواقع لوجدناه أبعد ما يكون عن الحقيقة، الشارع الإيراني تسيطر عليه جيوش المحرومين الذين صاروا يشكلون أغلبية الشعب الإيراني. أما التظاهرات المضادة فهي في الحقيقة ظاهرة مفتعلة نلمسها بكل وضوح في ظل الأنظمة الديكتاتورية والقمعية وتبقى مجرد محاولة سطحية من أجل الأخذ بزمام المبادرة ولن يكتب لها النجاح.

*هل استوعب نظام الملالي رسالة هذه الانتفاضة؟

-استوعبها لكن لا يبدو أنه مستعد لتقبل معطياتها، ويحاول جهد إمكانه امتصاص زخمها والالتفاف عليها بأساليب وطرق مختلفة، لكن ذلك محال، وكما أن فشله في الاستجابة لمطالب انتفاضة 2009م قد جعلته يوفر أرضية انتفاضة يناير 2018م، فإن إصراره على السير بنفس السياق سيؤدي إلى مواجهته العاصفة النهائية التي سيصبح بعدها أثراً بعد عين.

*هل ترى أن إيران يمكن أن تجري مفاوضات بشأن برنامجها الصاروخي؟

-المعروف عن هذا النظام أنه لا يستسلم للأمر الواقع إلا عندما تتقطع به السبل كما رأينا ذلك يتجسد في الحرب مع العراق، وكذلك بالنسبة للاتفاق النووي، وهو يعلم جيداً بأنه مضطر أولاً وأخيراً لإجراء مفاوضات لأن خيارات رفضه أقل من قليلة إن لم نقل منعدمة، ولا سيما وأن أوروبا قد انضمت إلى جانب واشنطن في ضغطها باتجاه تعديل الاتفاق النووي وإنما أيضاً لإجراء مفاوضات بشأن الصواريخ الباليستية، وطهران في ظل المرحلة الحالية ليس بإمكانها أبداً السباحة ضد التيار وهي مستعدة بنظري لتقديم التنازلات للعالم كله وليس إلى شعبها، بمعنى أنها ستتفاوض على صواريخها الباليستية من أجل ضمان استمرار النظام والسيطرة على الشعب.

*كيف ترى التهديد الإيراني لأمن الدول العربية؟

-التدخلات الإيرانية تشكل تهديداً واضحاً للأمن القومي العربي ولا سيما الأمن الاجتماعي، فهو يسعى ليس إلى عملية غسل أدمغة الشعوب العربية فقط وإنما يريد أن يغير من البناء الديموغرافي لها أيضاً، وهذا أمر يتم لمسه في العراق وسورية بصورة واضحة، وانا أتساءل: «ما الهدف من نشر الطائفية في المغرب والجزائر وتونس والسودان ومصر؟ ما الهدف من توجيه دعوات لمن تأثروا بالفكر الطائفي في هذه البلدان بزيارة المراقد في العراق على حساب النظام الإيراني الذي يعاني شعبه من الحرمان؟»، باعتقادي إن معظم الدول العربية فهمت هذا المسعى، ولكن كيف سترد على ذلك فكل ما فعلته لم يكن بمستوى الرد المطلوب.

*كيف تتوقعون ملامح المرحلة المقبلة في مستقبل إيران؟

-إيران شئنا أم أبينا تمر بمرحلة مخاض تماماً كما كان الحال في العام 1978م، أي قبل عام من الثورة الإيرانية، فالنظام محاصر بالأزمات والفشل يلاحقه في كل مجال، إلى جانب فساد استثنائي ينخر بركائزه الأساسية بكل قوة، وقبل كل ذلك رفض شعبي واضح وضوح الشمس، وأساس وجوهر القضية يكمن في نقطة مهمة جداً وهي أن مشروع نظام ولاية الفقيه قد أفلس ولا أقول فشل؛ فالإفلاس بنظري أسوأ وأقسى من الفشل، إذ عندما يردد الشعب «الموت للديكتاتور» أي المرشد الأعلى الذي هو أصل النظام، فإن ذلك يعني عدم بقاء أي مكانة أو اعتبار له، ولهذا فإن المرحلة المقبلة والتي قد لا تتعدى هذه السنة، ستشهد تغييراً جذرياً في النظام، تغييراً مقبل من الشعب وليس من داخل النظام كما يتوهم البعض، والذي يجب أن نلاحظه جيداً ونضعه في الحسبان هو تصاعد دور منظمة مجاهدي خلق المعروفة بخبرتها ودرايتها في مواجهة النظام، ويكفي أن نلفت النظر إلى أن المرشد الأعلى للنظام بنفسه قد أقر بالدور الأساسي للمنظمة في انتفاضة يناير 2018م، وهذا يعني أن ما يجري في إيران ليس عشوائياً وتلقائياً، بل إن هناك معارضة نشيطة وفعالة تقودها وأثبتت للعالم كله كفاءتها وقوة دورها وحضورها في داخل إيران، وباعتقادي فإن هذه المنظمة التي تم إقصاؤها بعد الثورة الإيرانية من قبل التيار الديني المتطرف في الثورة، ستعود ليكون لها دور استثنائي في إيران المستقبل، إيران ما بعد الملالي.

*ما الذي على المجتمع الدولي أن يفعله حيال الانتفاضة في إيران؟

  • بكل تأكيد على المجتمع الدولي دعم وتأييد الشعب الإيراني في نضاله من أجل الحرية والوقوف إلى جانبه، لكنني أتساءل: «كيف يمكن تفعيل هذا الدعم والتأييد والوقوف إلى جانبه في الواقع؟ هل سيبقى مجرد موقف نظري يتم استخدامه في وسائل الإعلام؟»، وأتساءل: «ما فائدة ذلك بالنسبة للشعب الإيراني؟ ما فائدة هذا الدعم في حين أن السلطات الإيرانية تعتقل الآلاف من المنتفضين وقتلت عدداً منهم تحت التعذيب؟»، القادة الإيرانيون قد استشاطوا غضباً بسبب دور منظمة مجاهدي خلق في الانتفاضة وما زالوا يرددون ذلك ويدعون للحيطة والحذر منها، وعندما نجد أن النظام بنفسه وعلى لسان خامنئي يعترف بدور المنظمة تخطيطاً وتنفيذاً للانتفاضة، ألا يعني ذلك بأنها تمثل قوة سياسية اعتبارية لها مكانتها الخاصة لدى الشعب الإيراني؟ وأقصد هنا تحديداً إذا كانت منظمة مجاهدي خلق على علاقة صميمية قوية مع الشعب الإيراني، ألا يجب على المجتمع الدولي عموماً وبلدان المنطقة خصوصاً الاعتراف بها رسمياً؟ مثل هذا الاعتراف سيكون بمثابة صدمة قوية للنظام ومحفز ودافع قوي جداً للشعب الإيراني في الاستمرار بالنضال والمقاومة عندما يجد أن العالم قد اعترف بأيقونة نضاله.