للحزن رائحة قبيحة، رائحة جارحة، للحزن رائحة لا تشمها الأنوف، ولكنها قاسية لا ترحم لا تعرف الرفق رائحة تخترق روحك، تنحرك من الوريد للوريد رائحة لا يشمها الجميع مهما كان المحيطون بك تبقى رائحته انتقائية لا تصل لكل الأرواح..

أطياف الحزن وهي تحوم على سرير مريض تغليه بمنزلة الروح لا تنحر ابتسامتك التي غابت شمسها مع غيوم دموع تناثرت بين شهقة خوف وزفرة أمل.. إنها أطياف سوداء تفترس كل ما فيك من أمل وهدوء وخوف، تنحرك من الوريد للوريد فتصل لقناعة أن دموعك لم تعد تكفي للتعبير عن أحاسيسك المتداخلة بين رغبة وخوف، ما أصعب ان تحتار بين رغبة الحياة وتقبل الموت، لحظة صعبة لا يدرك عمقها وشدة ألمها إلا من عاش التجربة فعلاً.

تقف صقور الحزن على أطراف سرير المريض تنقض عليك كلما حاولت البحث في داخلك عن تفاصيل أمل يأتي مع تباشير الصباح حيث تكون خيرات السماء حاضرة بركاتها رغم قصور إدراكنا البشري في حكمة الله حيث تكون الأقدار.

ما أبشع وأقسى الحزن حين يخترق حياتك ويمتحن صبرك في مرض عزيز، مريض يلتهم المرض جسده وحيويته وحياته، وأنت تركض خلفه بين لهفة وخوف أمل واستسلام، ما أقسى نظرات الطبيب وهو يغلق ملف العلاج ويكتفي بابتسامة إنا معكم منتظرون إنا معكم مستسلمون إنا معكم لا حول ولا وقوة إلا بالله.

تنوعت في حياتي آلام الأيام بين تخلي الأصدقاء ونكران الرفقاء بين فشل وإحباط، بين مكسب وخسارة، تنوعت الجراح عمقاً وسبباً وبقي حزن مرض أحد أفراد عائلتك أقسى الآلام وأقلها رحمة. إنه الألم والحزن الذي ينحرك من الوريد للوريد دون قطرة دم.

الحزن لا يذبحك من الوريد إلى الوريد إلا وأنت تقف على أطراف سرير مريض غالٍ يسكن أعماقك ويوقف ابتسامة على رمش عينك وهمسة حنونة على شفتيك.. الحزن لا يعرف تراتيل بهجة الحياة مهما حاولت صناعتها حول سرير المرض ولا تهمه تفاصيل يومك، يقف شاهراً سيفه ينحرك دون قطرة دم ويذهب دون أن يقف أو يلتفت ليرى ضحيته، فالطريق طويلة وهناك ضحايا أخرى ينحرها حزن ما من الوريد إلى الوريد.

يأتي مع خلجات الحب وومضات الأمل جزء صارخ لتدمير ابتسامتك وتهشيم مشاعر الأمان داخلك.

رحم الله نورة؛ سيدة الطيب والهدوء والإيمان، التهمها المرض بشراسة مستمرة لا هوادة فيها، فكانت تعلمنا أن الصبر وسيلة المؤمن، وأن الحمد والشكر لله لغة الإيمان وأنها راضية لأن ذلك قدر ربها وليس قرار بشر.

في عزائها خجلنا أن نبكي كثيراً احتراماً لها فقد علمتنا في الشدائد أن الإيمان بالقضاء والقدر تأكيد الإيمان بالفردوس وجنات النعيم وأن لنا حياة أخرى أجمل تنتظرنا حيث تكون إقامتنا في السماء هي رحلتنا الأخيرة لا ترحال بعدها.