زيــارة سمــو ولــي العــهــد إلى محطـــة تحلية الميــاه والتـقــاؤه بالمسؤولين والعاملين هناك يدل على عهد جديد وأسلوب مميز واهتمام بالغ بهذا المصدر الحيوي..

للقائد مهام كثيرة ومن أهمها رفع الروح المعنوية لجنوده أو موظفيه، فالروح المعنوية هي الوقود الذي يدفع للأمام ويحفز على الاستمرار، ويبقي جذوة الرغبة في الإنجاز ويذلل الصعاب، ومن أهم وسائل رفع الروح المعنوية قرب القائد ممن هو مسؤول عنهم، والشد على أيديهم والاستماع لهم وتشجيعهم وتقدير ما يقومون به والاحتفال بكل منجز.

تذكرت ذلك وأنا أقرأ ما قام به ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من زيارة إلى محطة تحلية جدة للمياه المالحة قبل أسبوع وذلك بعد أن حققت معالجة المياه المالحة طفرة غير مسبوقة في رفع الإنتاج إلى خمسة ملايين متر مكعب في اليوم دون زيادة في التكلفة بفضل جهود الكفاءات الوطنية ومركز الأبحاث الوطني. هذه الزيارة غير المعلنة سيتذكرها كل منسوبي مؤسسة تحلية المياه مدة طويلة وستنعكس آثارها على ما يتلقونه من دعم وتشجيع من القيادة.

كتب مهندس الصواريخ العالم الهندي المسلم زين العابدين أبو الكلام في كتابه «أجنحة من نار» مدى التأثير السحري الذي كان يتلقاه في مركز صناعة الصواريخ ومركز الأبحاث من قبل رئيسة الوزراء الهندية أنديرا غاندي في ذلك الوقت، كانت تزورهم من وقت لآخر وتستمع إلى إنجازاتهم وتذلل الصعاب المالية والإدارية والبشرية أمامهم، ومثلها زيارات وزير الدفاع المتكررة. يقول المهندس زين العابدين: لم يكن من الممكن تحقيق ما أنجزناه في تقنية الصواريخ المعقدة وما فرضته القوى الكبرى من قيود على تصدير التقنية للهند لولا دعم رئيسة الوزراء وبقية المسؤولين لنا، فقد واجهتنا مصاعب يومية كثيرة بعضها من مسؤولين لا يقدرون قيمة ما نقوم به من أبحاث جعلت الهند في مقدمة الدول في هذه التقنية.

قدر المملكة أن تعتمد بشكل شبه كامل على مياه التحلية المالحة لتوفير مياه الشرب لمدن المملكة، وتزداد أهميتها بزيادة عدد السكان ونقص المياه الجوفية وقلة الأمطار عاماً بعد آخر. والمملكة من أوائل الدول التي استخدمت التحلية وهي اليوم الأولى في العالم بالنسبة لكمية إنتاج تحلية المياه المالحة وهذا يحتم أن نهتم بالنواحي الآتية:

أولاً. الأبحاث والتطوير هما السبيل إلى تقليل التكلفة وامتلاك التقنية والعمل على أن تصبح المملكة مصدرة لها ورائدة في هذا المجال، لكن الأبحاث والتطوير مكلفة جداً وخاصة في استقطاب العنصر البشري وتأمين المعامل والمختبرات، ولهذا لا يهتم بها سوى الدول المتقدمة التي عرفت قيمتها وأهميتها ومنها العدو الإسرائيلي الذي يصرف ما لا يقل عن 4 % من دخله القومي على الأبحاث وهي النسبة الأعلى على مستوى العالم، لكن فوائدها تجلب أضعاف ما يصرف عليها بعد سنوات. وريادة المملكة لهذا المجال لن تتحقق إلا بالاهتمام البالغ بالأبحاث والتطوير من أعلى مستويات القيادة، فالإدارات الدنيا لا تهتم إلا بما تهتم به القيادة العليا، وهي التي لديها القدرة على تذليل كل العقبات المالية والبشرية. كما أنه لا بد من التعاون مع الجامعات داخل المملكة ومع جامعات ومؤسسات عالمية رائدة في هذا المجال.

ثانياً. البحث العلمي يسبق الإنتاج، وغياب البحث العلمي يعني التبعية لمن يملك التقنية التي يعتمد عليها اقتصاد القرن الواحد والعشرين، وأهم شروط التقنية توظيف قوانين الرياضيات والفيزياء والكيمياء بدلاً من حفظها فقط، وهو ما يعني تطوير أساليب التعليم لدينا خاصة في المجالات العلمية وتكثيف التجارب العلمية والبحث عن علماء المستقبل في وقت مبكر ورعايتهم، وإنشاء مراكز متخصصة في الجامعات تهتم بالرياضيات والعلوم وتعطي دورات متقدمة لمعلمي المراحل المختلفة من التعليم.

ثالثاً. محطات التحلية تستهلك طاقة كبيرة وأموالاً طائلة ولها آثار بيئية ضارة ولهذا لا بد من البحث عن بدائل ذات استهلاك أقل للطاقة وأكثر فاعلية وصداقة للبيئة، وفي الوقت الحاضر تهتم الدول المتقدمة بمعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها وتعد إسرائيل وسنغافورة رائدتين في هذا المجال. ومن المهم البحث عن بدائل للمواد الكيميائية المستخدمة، وذلك باستخدام الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح.

زيارة سمو ولي العهد إلى محطة تحلية المياه والتقاؤه بالمسؤولين والعاملين هناك يدل على عهد جديد وأسلوب مميز واهتمام بالغ بهذا المصدر الحيوي، كما يدل على اهتمام بالكفاءات الوطنية وتقدير الجهود التي تبذل في سبيل جعل المملكة رائدة في هذا المجال الحيوي وغيره من المجالات الاقتصادية والصناعية والخدمات.