بالتأكيد إن الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي لن يكون سعيداً حال رؤيته الشارع الذي يحمل اسمه هنا وسط عاصمة العرب. ذلك الشارع الذي كان ملء البصر قبل عقود، ثم تدهور حاله وأضحى أثراً يذكر بعد أن كان عيناً يُفخر بها.

قبل نحو أربع سنوات كتبت مقالاً عن حال الشارع وليس الشاعر حينما كنت في صحيفة الوطن، وذكرياتي مع والدتي حينما كنت طفلاً، وكانت متاجر الشارع مقصد التسوق الأول لسكان الرياض. وكيف أنه يمكن إعادة بعثه من جديد بمجرد إعادة تأهيل مداخله ومخارجه، وربطه برؤية فنية مرتبطة بثقافة المدينة وسكانها، واليوم يدعو الزميل الصحفي النشط محمد الهمزاني إلى تحويل الشارع إلى معلمٍ ثقافي ينبض بالحياة ويستقطب المبدعين، ليكون رئة ملونة ومتنوعة لعاصمة السبعة ملايين قاطن جلهّم من جيل الشباب.

لك أن تتخيل تلكم المتاجر المقفلة والمحال الخربة أن تتحول إلى مقاهٍ ثقافية ومكتبات تجارية، إلى مسارح ومتاحف، إلى مراسم وورش فنية، إلى دور سينما للفنون البديلة، إلى متاجر توفر ما يحتاجه الأدباء والفنانون من أدوات ونحوها، وأن يُطعّم الشارع بباعة الكتب المستعملة كما هي الحال في شارع المتنبي في بغداد أو سور الأزبكية في القاهرة، ناهيك عن فتح الشارع أمام عروض الفنانين الهواة والمؤدين الشباب، أي إضافة رائعة سوف تتميز بها الرياض؟ خصوصاً والشارع اليوم أرصفته جميلة ومخصص للمشاة، ومن الممكن أن يتحول إلى ما نطمح دون تكاليف مالية مرتفعة أو مشروعات إنشائية تستغرق وقتاً طويلاً.

وحسناً فعلت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة حينما غرد حسابها الرسمي في توتير قبل أيام أنها تعتزم استضافة ورشة عمل تضم المثقفين والناشرين لمناقشة فكرة تطوير الشارع، بالطبع لابد من وجود ممثلين عن أمانة مدينة الرياض والبلدية الفرعية التي يتبع لها الشارع، ناهيك عن الهيئة العليا لتطوير الرياض والجمعية السعودية للثقافة والفنون، بالإضافة إلى ممثلين عن الشركات الكبرى التي تتخذ من الرياض مقراً لها، ذلك أن المسؤولية الاجتماعية لتلك الشركات تجعل من الضروري أن تقدم شيئاً للمدينة وقاطنيها، فمتى ما تجمعت كل تلك الأطراف حق لنا التفاؤل أن هذا الحلم سوف يتحول قريباً إلى واقع نسعد به بشكل مستمر، وليس مجرد تنظيم فعالية ثقافية تنتهي خلال أيام.

أعلم أن ما نحلم به ليس مستحيلاً وليس ترفاً، ذلك أن وجود شارع ذي نشاط ثقافي وفني في مدينة الرياض هو أقل ما يقدم لجمهور شبابها وشاباتها، الذين يطمحون ببساطة إلى أن يجدوا لهم ولضيوفهم وسياح مدينتهم متنفساً ثقافياً وفنياً، يجمع المبدعين بعضهم ببعض، ويضيف ألقاً وجمالاً لعاصمتنا الحبيبة.