"طفولتي لم تكن كغالبية الأطفال، لقد دفعت فيها عبر ممرات حالكة من اليأس والتعاسة، صهاريج من الضياع اكتشفني في متاهاتها الفن وانتشلني، الآن الفن هو رفيقي الذي يساعدني على النظر بحياد لتلك الطفولة، ليس هذا فحسب وإنما يأخذ بيدي الفن خارج وسواسي بالانتحار ويقودني للتكيف الاجتماعي، ولولا الفن لجرفني الجنون."

بتلك الصراحة تصف الفنانة اليابانية يايوي كوساما Yayoi Kusama المولودة عام1929 رفقتها للفن، هذه الرفقة التي مثل رحلة على حافة الجنون مكنتها من كشف عبقريتها عالمياً، هذه الرحلة التي توجتها الفنانة يايويي كوساما باختيار تفوق على أشد خياراتها دهشة، حين اختارت طواعية منذ عام 1975 أن تقضي مابقي من عمرها في مصحة للأمراض العقلية، لكنها إقامة مثل نزهة ولايجب أن تـفزع السامع، لأن أسطورة كوساما قد حولت حتى مصحة الأمراض العقلية لنزهة، تظل خلالها تنتج فنها وتذهل العالم. لقد حيدت هذه العبقرية حتى الجنون لتجعله ليس مقبولاً فقط وإنما غاية تُحْسَد عليها، بل و يتوق بعض جمهورها لتلك الإقامة.

وتدهش كيف اختمرت أوجاع تلك الطفولة بين أب زير نساء غائب وأم تميل للعنف وتحول كل ذلك لفن يرقط العالم، إذ إن النقاط هي الصبغة الغالبة لأعمال كوساما الفنية، تمضي كوساما ترقط جسدها على خشبات مسارح نيويورك وتمضي ترقط الثياب التي ترتديها وترقط الجدران والأثاث، وتزحف نقاطاها لتبدع أشجاراً وثماراً وأنهاراً بل وتبدع بنقاطها طبيعة كاملة، كون غير مسبوق ولامثيل له ولايمكن تسميته، إلا بصفته "كون كوساما"، في كونها الفريد تعيد كوساما تحيل العالم لجزيئات pixels للنقطة للصفر للأصل.. لكأنما تذيب العالم وتحيله لذرات لكي ينفذ من منخل الزمن، من أسر المكان والزمان، أن الهروب الذي حققته في حياتها عام 1958 حين تركت وراءها اليابان وما وصفته في ذلك التاريخ بالمشهد "شديد الضيق، شديد العداء والاحتقار للمرأة" ونشدت الانبعاث في العالم الجديد بل وفي قلب ذلك الجديد نيويورك بفضاءاتها اللانهائية حينذاك، ومن المركب الذي مخر بها باتجاه تمثال الحرية كان أول ما استقبلها لالئ أضواء تلك المدينة الرمز، لؤلؤة تمثلت في عينيها المتطلعتين للانفلات على هيئة نقاط، هذه النقاط التي ستنصبها أسطورة في عالم الفن بأعمال يميزها التحدي بلاحدود، أعمال تمثل أوهامها ومجموعة مخاوفها ومخاوف البشر من المرض والعدم والمجهول، أعمال من مجهول يتجسد و يصفه النقاد والجمهور بالتطرف، مثل صفعات للتقليدية، لكن تنجح بالنهاية في تحفيز تساؤلات عميقة عن هشاشة الوجود الجسدي و مفهوم العقل والجنون، أسئلة مثل طفرات أو زخات لهب من جمر العنف الذي ميز طفولتها، جمر قد يبدو خامداً، لكن تكفي هبة هواء ليندلع حارقاً، نقاط كوساما تتمثل لي مثل حروق في وهم الاعتقاد بتماسك العقل، حيث يكمن الجنون قريباً من سطح تلك الصلابة الخادعة.

سيرة رحلة مع حفنة لانهائية من النقاط قد تبدو طفولية لكنها فتحت أكواناً لانهائية للمخيلة البشرية وأثرتها.