ما إن يمر اسم الشيخ الأديب فهد العريفي – وهو الذي مازال يمر بالذاكرة والذكريات النبيلة حتى بعد رحيله- إلا ويمر – الاسم – مصحوباً بابتسامة العروس الشمالية (مدينة حائل), ارتبط الابن بمدينته حتى أصبح في ذاكرة محبيه المَعلَم الثالث بعد جبلي أجا وسلمى, ملامحه الجادة تحاول أن تخفي روح الحزن الذي خلفها رحيل شقيقاته السبع, وشقيقاه أيضاً, رحلوا جميعاً في سن لم تتجاوز التاسعة وتركوه وحيداً, لذا قرر أن يصبح شقيق الجميع.!

صالونه الأدبي الذي كان يعقده مساء كل جمعة بعد أن انتقل للرياض لم يكن بالشكل الذي تختزله الذاكرة للصوالين الأدبية التي تضم النخبة وأحاديث الأدب والفن والسياسة, بل إنه كان مكان ومقصد كل الناس, من علية القوم حتى أصحاب الحوائج وطلّاب الشفاعة وطالبي المساعدة, وكثيراً ما كان دور الشيخ الأديب (كتابة المعاريض) للبسطاء الأميين الذين يناشدون أصحاب الشأن والقرار, ولم يكن أحداً يستغرب أن يكون فهد العريفي قريباً من كل الناس, فهو حفيد الشيخ عبدالعزيز العريفي الذي كان بيته مأوى للأيتام حتى لُقب (أبو الأيتام), ووالدته الفاضلة فاطمة الليلي حافظة القرآن الكريم في مجتمع أمي قلّما تجد فيه من (يفك الحرف), وأيضاً هو ابن المكان الذي يرمز للكرم في الذاكرة العربية, كل تلك الأشياء شكّلت (صوت حائل) وملامحها ونقلتها إلى رجل اسمه فهد العلي العريفي.

كان كاتبا جريئا منغمسا أكثر في العمل, وظل يتنقل بين (هوامش صحفية, وجداول, وغرابيل), وكأن عناوينه تأريخ لمسيرته في هذه الحياة, ابتداء من ألم الفقد المبكر للأشقاء, وليس انتهاء بخيباته وهو يرى تكشّف شعارات القومية التي تحمس لها قبل أن يكتشف أن الخيبات لا تأتي فرادى..

ملامحه غارقة في وقار سرمدي, أما عيناه فلم تستطع نظارته أن تخفي ما بهما من جرأة وحدة متى ما تطلب الأمر ذلك, بين تجاعيد جسده المُثقل بالتجارب والنجاحات والخيبات تقرأ خطوطاً مبهجة كعبق "لبدة" وجبيناً مضيئاً عالياً كشموخ "الموقدة", ونبرة حاتمياً بُشّر بضيف, رجل كسب من الجبل صلابته, ومن النفود رقَتها وشاعريتها, ومن السهل رحابته, في يوم ثلاثاء من مايو 2004 ساد الصمت في مدينة حائل, لم يعد للمدينة في ذلك اليوم مزاج للغناء ولا "الشبّات", مضغت المر والصمت معاً على رحيل رجلٌ خلّف شيئاً من أثمن ما يخلّفه الرجال, ترك لنا الحب ومكتبة ورحل!

فهيد العديم