كان خوان نصف قمر، ونصف شمس إن أردت أيضاً، كان طويلاً، ربما أطول من التاريخ، وعميقاً، ربما أعمق من التراث: مقطع وصفي جميل من الرواية الجديدة زهور تأكلها النار للروائي السوداني أمير تاج السر، وهي ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية هذا العام، ينشره الكاتب على صفحته الحيوية الزرقاء التي تجد متابعات وتعقيبات وتواصلاً رائعاً.

وعن الحنين للأماكن والبيوت التي نتركها، نطالع في هذا العدد من أدب فيس بوك نصاً سردياً فيه شجن جميل للمبدعة سوزان علي: عندي أفكار كثيرة تختفي عندما أدخل غرفة أختي، أدون فكرة في يومياتي لقصيدة عن نباتات الظل، ألتقط صورة بالأبيض والأسود لكابل مقطوع وسط الحائط...

الشاعرة سماح العيسى تقدم لنا على صفحاتها في الفيس بوك نصاً شعرياً فيه حب وجمال وإبداع: ‏هو آخر صباح.. أقول فيه أحبك.. لذا نهضت باكراً جداً شربت الشاي بالنعناع.. وهيأت حنجرتي لأنطقها كما يجب...

ومن ضمن إبداعات الفيس بوك ومراجعاته للكتب نقرأ رأي الشاعر عبدالرحمن الشهري في رواية منبوذ الجبل للشاعر عبدالله ناجي: أعجبتني كثير من اللقطات الشعرية داخل العمل، وأثرت روحي كشاعر، ومنها فكرة مسايرة الموت للشخصيات على الرصيف على سبيل المثال..

وعن القارئ اليقظ يكتب الشاعر والناقد ممدوح رزق رؤية حول عملية القراءة بعنوان القارئ اليقظ . وتقدم لنا الكاتبة نهلة خليل رؤية الأديب العالمي أمبرتو إيكو عن الرواية التاريخية: ثمة في التاريخ وقائع غير قابلة للتصديق وتبدو مستحيلة للوهلة الأولى ومخترعة إذ أوردها في كتابي، لكنها تكون قد جرت فعلًا، ويتسلّى القراء متوهّمين أنها محض اختراع منى. وأخيراً يوجه الشاعر إبراهيم المصري رسالته إلى القارئ على شكل أسئلة: أيها القارئ، ما الذي تظنُّ أنَّ شاعراً يفعله في يومِه، غيرَ ما تفعلُه أنت.

زهور تأكلها النار

كان خوان نصف قمر

ونصف شمس إن أردت أيضاً.

كان طويلاً، ربما أطول من التاريخ،

وعميقاً، ربما أعمق من التراث،

وكانت عيناه تشبهان زهرة،

هو يقول ذلك، وتقول الطبيعة: لا

الزهرة هي التي تشبه عينيه،

كان يحمل بعض الرياح الطيبة،

ورمى لي حفنة منها،

ويحمل رسائل الجنود القدامى لحبيباتهم،

وأهداني طريقة كتابتها.

لم يكن بقربنا نهر ليمسك به،

ويهديه إليّ،

ولم تكن ثمة صحراء،

ليلغيها تماماً عن البصر.

أمير تاج السر


غرفة أختي

لا تدخلها الشمس سوى لساعات قليلة أول الصباح كما بيتي في الشام... أتنقل في بيت أهلي بين الزاويا المشمسة، في الصالون على الكنبة الواسعة رمت أمي مشطها وبين أسنانه لمعت خصلة شعر بيضاء، أحتسي قهوتي في المطبخ....أتثاءب أمام صحون أمي اللامعة في وجه الشمس، عندي أفكار كثيرة تختفي عندما أدخل غرفة أختي، أدون فكرة في يومياتي لقصيدة عن نباتات الظل، ألتقط صورة بالأبيض والأسود لكابل مقطوع وسط الحائط...لعفن برتقالة قرب علبة طلاء أظافر، وأتكوم مع جسدي في البرد في العتمة كهاجس... كثياب أهلي المنزوعة عن حبل الغسيل وما زالت في السلة...

سوزان علي


‏ هو آخر صباح ..

أقول فيه أحبك

لذا نهضت باكراً جداً

شربت الشاي بالنعناع ..

وهيأت حنجرتي لأنطقها كما يجب ...

لآخر مرة ...

هو آخر صباح

تنبت الأحرف في الهواء

يرتديها صوتي

ويزهر فمي ...

لأنثر العبق في وجه الشمس وأباغتها

في الصباح الأخير ..

بكثير منك ...

أصحو

بكثير منك ... أخطو

أقف على شرفة السماء

وأنثر السكاكر الملونة

أرشق الكون بحلوى الحروف ...

بجنون فطري

بحب فطري

بعبث فطري ....

أنزع عني خوفي المكتسب

أصحو مبكراً جداً

وأغني بصوتي الذي يهتز أكثر مما يجب

أغني ..

لآخر صباح في هذا العام ...

أغني أحبك ...

أحبك كثيرًا ....

وغداً أحبك.. من جديد

سماح العيسى


منبوذ الجبل

بعد قراءة رواية ( منبوذ الجبل) الصادرة عن دار مسكلياني للشاعر عبدالله ناجي وجدت أن الرواية رائعة كرواية أولى، كتابة عمل بهذا الحجم تحتاج إلى روح وصبر فنان، اللغة السردية لم تنزلق إلى التكثيف الذي أمقته لدى كتاب الرواية من الشعراء والروائيين الذين يتوسلون اللغة الشعرية، أعجبتني كثيراً من اللقطات الشعرية داخل العمل، وأثرت روحي كشاعر، ومنها فكرة مسايرة الموت للشخصيات على الرصيف على سبيل المثال، كانت روح الشاعر حاضرة بقوة ربما بسبب الإهداء وكذلك الضمير المستخدم، انشغلت الرواية برسم صورة البطل المثقف وتحولاته الشخصيات المساندة كانت رشيقة وحضورها لطيف، مكة كمدينة حضرت بوضوح، منولوجات البطل داخل العمل عذبة ومؤثرة، كان موفقاً في رصد بعض تفاصيل الحياة اليومية، ثقافة البطل ومعارفه وظفت بشكل فني وبعيدة عن الادعاء وحضورها كان مقنعاً، التنقلات بين الفصول كانت متقنة، ولا يشعر القارئ معها بالملل أو الانفصال، نهاية الرواية مقنعة وذكية أخرجتني منها بسلاسة، مكة غنية بمادة السرد الخام، التي قد لا تتوافر في المدن السعودية الأخرى..

عبدالرحمن الشهري

القارئ اليقظ

يخلط كثير من النقاد بين القارئ اليقظ، المجادل، غير المسالم أو المبدع للنص، وبين استبداد القراءة، ولا يرجع هذا سوى لأن لكل ناقد من هؤلاء تصوره الخاص جدًا الذي يحتكر الصواب حول اليقظة والجدل وانعدام المسالمة.. حول الكيفية التي يخلق القارئ النص من خلالها؛ ذلك لأن هذا الناقد يستبعد وفقاً لذهنيته الشخصية أشكال التفسير الأخرى المحتملة (المشاركة التخييلية، والبناء المتواصل للمعنى) التي سيكون لها هذا الحق الذي أعطاه لمن يتوافقون مع عقيدته التأويلية، وهو بهذا يمتلك للمفارقة تصورًا احتفائيًا ساذجًا بـ (وعي القارىء غير الساذج)، لأنه لا يرى ولا يعرف عن (القارئ) سوى ماهية محددة، صورة أحادية تتواءم مع ذاته كناقد، وهي غفلة قد لا يفيق منها إلا إذا تحوّل من (ناقد) إلى (كاتب) أي أن يضع نصه الأدبي (الذي يراه متخلصًا من آثام الحكمة ومنفتحًا على متعة الشك مثلاً) أمام (القارئ)، أي هذا الكيان الاستثنائي الخارق الذي لديه صلاحيات كونية تتخطى كونه (قارئًا)؛ فيجد نفسه في مواجهة عنف متعدد لأنماط أدبية أو دينية أو فكرية معادية لهذا النص تدعي أنها لا تمثل نفسها، بل هي (القراءة) ذاتها.

ممدوح رزق


أمبرتو إيكو

حتى في الروايات التاريخية يحق لي أن أخترع، وذلك خياري.

طبعًا تخضع الرواية التاريخية لبعض القوانين ضمن منطق الاختراع هذا، إذ لا يّصح أن يؤدي التخييل إلى تغيير تاريخي جذري. يمكنني أن أرسل شخصية ما إلى ساحة حرب حتى وإن لم تكن قد شاركت فيها حقًا، ولكن لا يمكنني أن ألغي واقع حصول تلك الحرب أو أن أحور نتائجها مثلًا. أحيانًا، يحصل نقيض ذلك أيضًا، إذ ثمة في التاريخ وقائع غير قابلة للتصديق وتبدو مستحيلة للوهلة الأولى ومخترعة إذ أوردها في كتابي، لكنها تكون قد جرت فعلًا، ويتسلّى القراء متوهّمين أنها محض اختراع منى.

نهلة خليل


أيها القارئ

ما الذي تظنُّ أنَّ شاعراً يفعله في يومِه

غيرَ ما تفعلُه أنت

هل تظنُّ مثلاً

أنَّ الشاعرَ يبدأُ يومَه صباحاً

بجلسةِ تحضيرٍ لأرواحِ أسلافِه

ليعلِّمُوه تلكَ المهنةَ القاسيةَ «الشِّعر»

ويلقنوه بعضَ أسرارِها العصيَّةِ على امتقاعِ الوجه

وحين تتوسطُ الشمسُ كبدَ السماء

كما يستعيرُ الفلكيون من علمِ انحطاطِ اللغة

هل تظنُّ أنَّ الشاعرَ يُرفَّهُ عن نفسِه بقيلولةٍ لطيفة

إبراهيم المصري

فهد العتيق