أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي "سناب شات" و"تويتر" وغيرها من البرامج والتطبيقات، قنوات تواصل بين المثقف وجمهوره، بل إنها أصبحت في بعض الأحيان صفحة رسمية للمثقفين لطرح آرائهم وانتقادهم لما يحصل في المجتمع من أحداث وغيرها، مما قد يتسبب للمثقف في جنوح في آرائه وخوضه في قضايا قد لا يجيد التعاطي معها مما يجعله عرضة لسهام النقد كما تضعه في مأزق مع متابعيه. من ناحية أخرى أصبح كل شخص ينصِّب نفسه مثقفا ومرجعاً لغيره. ورغم كل ما يحيط بهذه الوسائل من نقد أو مدح إلا أنها تظل وسائل مهمة للثقافة ونشرها. فهل هذه الوسائل باتت ضرورة ثقافية أم أنها عبء وفخ يقع فيه المثقف أو من يحاول أن يكون مثقفاً؟ وما مدى تأثيرها على مستخدميها؟ أسئلة كثيرة تدور حولها نحاول رصد آراء نخبة تعاملت مع هذه الوسائل وكان لكل منهم رؤيته وفلسفته الخاصة حولها.

"الوعي الثقافي"

في البداية أكد الكاتب نجيب يماني: أن المواطن استطاع أن يجد له مكاناً بين المثقفين عن طريق هذه المنصات، فأصبح يشارك عن وعي ويتكلم بثقه ويتفاعل مع محيطه العربي والإقليمي والعالمي. ومصدر ثقافي مهم لتطوير الإنسان وتوسيع دوائر معرفته وتمكينه من معرفة الآخر بكل أبعاده من عادات وتقاليد ومعرفة وعلم ودراية. ساهم تويتر وغيره في فتح الحدود الثقافية بين الدول والشعوب وقلل من أهمية مراقبة الكتاب والمواد الثقافية الآخرى فأصبح من الجنون أن تمنع دخول كتاب أو تصادر حق قرأته. فتويتر يقدمه لك بتفاصيله لتأخذ منه ما تريد. نلاحظ أن بعض الكتّاب في الوقت الراهن يعتمدون في الحصول على المعلومة من مصادر التواصل سواء أرقاماً أو حقائق أو معلومات حتى أن بعض الروايات أصبحت تعتمد في طرحها على الفضاء المفتوح لتأخذ منه ما يساعدها في الحبكة أو السرد وغيره، إن تأثيرها واضح وقائم ونستطيع أن نلمسه في قرائتنا الحاضرة حتى من دون أن يشير لها الكاتب. المجتمع تحول إلى مجتمع رقمي بامتياز وما من منتج إلا وكان صاحبه أحد زورار هذه المواقع لياخذ منها ما يريد ويعضد رأيه فيما يقول ويكتب. تأثيرها جدي وفعال على فئات المجتمع المختلفه وآثارها تجدها على صفحات الورق وداخل المعلومة وبين السطور معتقداً أن إنتاج المثقف وحصيلة ما ينتج قد زاد في عصر المعلومة الرقمية والأحداث ووقائع الإنترنت.

"الفضاء المفتوح"

الرباعي: لم يعد هناك نخبوية ثقافية

وقال الإعلامي د. علي الرباعي: كنا قبل 25 عاماً نترقب صدور المجلات الثقافية أو الإعلان عن برامج إذاعية ثقافية، ثم بعد ذلك جاء التلفزيون وأصبح البرنامج الثقافي يعنـى بالحوارات مع شعراء وضيوف المملكة، عرفنا بكثير من النخب بعدها وجاءت المؤسسة الثقافية سواء جمعية الثقافة والفنون أو الأندية الأدبية وكان لها دور في التعريف ولتقديم المثقف إلى المجتمع. وسرعان ماجاء هذا الفضاء المفتوح ووسائل التواصل الاجتماعي لتجعل كل من لديه موهبة أو حتى معرفته بالكلام فالمتابع يلاحظ أنه لم يعد هناك نخبوية فهذه الوسائل فككت مفهوم النخبة، وأصبح كل شخص بامكانه أن يكون نخبوياً ويكون متابعوه كثيرين ويسجل مايريد شعرًا ونثراً وفيلماً وقصة، أي فن من الفنون وفي ثوانٍ يصل الى كل بلدان العالم. وبهذا لم تعد هذه المؤسسة هي الجديرة بأن الإنسان يتكبد المشاق حتى يذهب ويقدم أمسية أو ندوة أو محاضرة يحضرها عدد قليل من الحضور. وبهذا أقول إن تلك الوسائل أثرت وبشكل مباشر على المثقف وعلى إنتاجه.

الغثّ والسمين

وأوضح د. علي المالكي وكيل كلية الآداب بجامعة الطائف قائلاً: لا شك أنّ وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة غزت الحياة الاجتماعية والحياة الفردية بشكل كبير، حتى أنها أصبحت لدى شريحة كبيرة من الأفراد مصدراً للأخبار بل ويتفوق على كثير من المصادر الأخرى كالكتاب والصحافة والتلفاز، وأصبحت هذه الأخيرة تتوسل بها للوصول للمتلقي المستهدف وغير المستهدف، ويبدو أن سهولة التمكن من وسائل التواصل الاجتماعي بحكم وجودها في الهاتف النقال لعب دوراً كبيراً في تبوئها هذه المكانة الأولية بين باقي الوسائل الأخرى. هذا الانتشار والاجتياح أثّر في المجتمعات وخاصة مجتمعنا السعودي، فترى أفراد الأسرة مجتمعين جسدياً في مكان واحد متفرقين ذهنياً عبر الوعي بالزمان الآني، وهذا بلا شك غيّر بشكل ما علاقة التواصل بين الأفراد حسب الفئات العمرية وحسب الهوايات المعرفية المتنوعة. ولم يكن المبدع وهو جزء من هذا المجتمع بمنأى عن هذا التأثير بل أزعم أن هذه الوسائل ردمت كثيراً من الهوة بين المبدعين وبين المتلقين بشكلٍ مختصر عبر الرسالة القصيرة والصورة والمقطع المرئي، ففي فترة لم يكن يسمع بتركي الحمد مثلاً سوى مجموعة معينة من المجتمع أصبحت القاعدة الآن أكبر، وليس أدل على ذلك من إعداد المتابعين له وللمثقفين الآخرين وكتّاب الصحف والأدباء على تويتر التي وصلت للملايين عند بعضهم، وأصبحت تغريدة بسيطة لا تتعدى مجموعة من الكلمات كفيلة بإثارة المجتمع وتسليط الضوء عليها وتحريك الرأي العام، ولكن ما زالت الفوضوية تسيطر على هذه الوسائل ومستخدميها ومتلقيها، وتلعب في كثيرٍ من الأحيان الصدفة العبثية دوراً مهماً في خلط اهتمامات المجتمع وتوجيهها في اتجاهات لا تكون محمودة العواقب أحياناً. التعامل مع هذه الوسائل ما زال يحتاج إلى وعي ينبثق من إدراك الفرق بين الغثّ والسمين وهو الأمر الذي مازال تعلوه الكثير من الضبابية حتى الآن، ويبدو أنّ عدم الإحساس بأهمية الوقت وقيمته لعبت دوراً في تكثيف هذه الحالة الضبابية. وخلاصة الأمر هو أنّ تأثير هذه الوسائل لا يمكن إنكاره ولكن نتيجة هذا التأثير للأسف لا يمكن التنبؤ بها.

نافذة تكنولوجية

وقال الكاتب والشاعر إبراهيم الجريفاني: حقيقة أشكر "الرياض" على طرح هذا المحور الحيوي الذي صار من طقوس اليوم ونافذة تكنولوجية نُطل منها إلى واقعنا من خلال عالم افتراضي من عصر مختلف ولعلي أضعها في نقاط منها: أولاً "منصة لقياس الرأي العام التفاعلي" لكل عصر لغته المتماهية مع حداثته، وهاتان الوسيلتان ما هما إلا صوت لكل من يعيش هذا العصر والهدف منهما في البدء تواصل اجتماعي وتطورتا ليمثلا لغة تقنية يتواصل عبرها المجتمع، والشمس لا يغطيها الغربال فمن الواجب الرؤية الحقة لهذه الوسائل دون أن نهمشها فالمتفاعلون هم سكان الكرة الأرضية، فصار التواصل اللحظي سمة التفاعل صورة أو حرفاً. لمعرفة التاثير لابد من الاعتراف أنه صار منصة لرأيٍ مؤثرٍ بل أشبه بالرأي العام التفاعلي لكل مايحدث. ثانياً: "خدم المثقف الجاد وأوصل الرأي المُختلف" كمثقف أجده جعل التواصل مع المتلقي أقرب بل أتاح آلية الانتشار الأوسع والخروج من الإقليمية إلى الفضاء الكوني المحيط في كوكب الأرض.

وأضاف الجريفاني ولرؤية الجانب الإيجابي فيهما نجد أن الكلمة والرأي والصورة الإبداعية تجد تفاعل كوني وهذا جعل حواجز الرقيب ملغاة والقيود الفكرة في عرف الماضي. ثالثاً: "إثراء للمعرفة بالتواصل الكوني" أثرى المعرفة من خلال ما يتاح لنا بالاطلاع على نتاج الآخر والرأي الأخر المختلف والمخالف، ومعرفة مايجري هنا وهناك من خلال رؤى مختلفة ليست مقصورة على مايراد كثيًا قوله في الرأي عبر القنوات الرسمية، واستشعارًا بأهميته نجد أن الكثير من مصادر الإعلام المرئي والمقروء ووكالات الأنباء تفاعلت وفتحت حسابات تفاعلية، لمعرفتها أن للعصر لغة تفاعلية مختلفة ومن لا يلحق بها يتخلف مع الركب الأول. رابعاً: "ظاهرة صوتية لفكرٍ يمثل الخوا الموتور" من إيجابيات هذه الوسائل أن أنها أشبة بشجرة الخطيئة التي ما أن اقترب منها البعض حتى بدت سوءاتهم فقد ظهرت حقيقة الكثير ممن تواروا خلف أقنعة الفكر والثقافة وإذا هم انكشفوا وكشفوا ضحالة فكر وجهالة، وأكدوا أنهم لم يحترموا أنفسهم فخسروا تقديرا لم يستحقوه، كما تكشفت النفسيات الموتورة ففي الأزمات ظهرت الأنفس المريضة الموبوءة، والمتابع يعي أننا نعيش هشاشة في الفكر وزمن الملونين والرويبضة. فشكراً لوسائل التواصل الاجتماعي.

الشهرة التوترية

وبيّن الكاتب صالح باسندوة أن الثقافة اليوم مع قنوات التواصل الاجتماعي اختلفت من شخص لآخر وكل حسب فكره، ومايطرح من مواضيع هادفة تضيف له إيجابياً في مشوار حياته ولا تكون نقطه سوداء تسيء له على مر الوقت، وفيما بعد سيدرك ماذا قدم لنفسه. ومانراه اليوم وما يظهر للعامة أن الكل يبحث عن الشهرة بفكره وأهدافه وتجاهل الأثر على المجتمع وعلى نفسه ومن حوله من صلة أرحامه وأقاربه. فقد قربت البعيد وابعدت القريب وماهو أكثر سلبية أن المتلقي اليوم ترك الجاد ومايطرح من قيم ورسائل ذات مضمون سامي، واتجه للهزيل والتافه وهذه أكبر نقطة سلبية على الثقافة اليوم والتي ربما ستبدى بالزوال التدريجي عن الجيل هذا والأجيال الجديدة، وهذا خطر في نمو وإزدياد واضح. أجيال اليوم لا تعرف الكتاب ولا التاريخ ولا العمق الثقافي الإنساني بسبب التوجه لمن يقدم الإسفاف وغير المجدي.

التمازج الفكري

وشاركت الكاتبة أسماء الفاضل قائلة: لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي وتحديداً سناب شات وتويتر، قد ساهما في تقريب وجهات النظر والتمازج الفكري وتجاوز الحدود الجغرافية, كما مكنا من دفع عجلة التغيير والتأثير في أنماط المجتمع الفكرية والسلوكية، بل إن هذه البرامج أحدثت قوة صاخبة في اجتثاث الكثير من الأفكار التي ترسخت على مدى طويل من الزمن دون ثوابث تستند إليها. ويعتبر تويتر فضاء واسعاً لتبادل الرأي وحرية التعبير وإثارة الفكرة مع تلقي التفاعل المباشر مما يسهم في قياس مدى التأثير. كما ساعدت على نشر الثقافة وتوجيه المجتمع والتأثير فيه بحسب الفئة العمرية والميول الفكري والثقافي، ولا يختلف اثنان بأن هذه البرامج تعتبر أداة مهمة لتمكين المتابع من حضور الأمسيات الثقافية والبرامج الترفيهية والمناقشات الأدبية والعلمية والفكرية الهادفة إما بالترويج والنشر أو بالمتابعة لها من خلال الأجهزة المحمولة ورغم العديد من المزايا التي يتميز بها سناب شات عن غيره من البرامج في العفوية وعدم التكلف، مما يجعل المادة أكثر تشويقاً وأسهل تناول غير أنها آنية تخضع لمدة زمنية لا تتجاوز بضع ثوان مما أفقد المتلقي الصبر, إذ اعتاد من خلالها على المعلومة السريعة والمختصرة.

وأضافت الفاضل: كما أن ظهور المثقف قد يحدث تأثيرا قوياً له أو عليه حيث إن لم يكن يمتلك مهارات عالية في الحضور فإنه ربما يفتقد جمهوره ومتابعيه، إذ أن سناب شات شبيه إلى حد كبير بحوض الأسماك الزجاجي الذي يكشف للمتابع الكثير من التفاصيل التي تحدد الجوانب الأخرى من شخصية المثقف، وتمكن المجتمع ومؤسساته من قياس مستوى تأثير المثقف على هذه الوسائل وتحديد شمولية الفكرة وتأثيرها.

الفاضل: ساعدت على توجيه المجتمع

التحدي الحقيقي

وتقول الشاعرة نادية إسماعيل بنون: هي مواقع مفيدة للمثقفين على كل حال لولا أنها تعج بالعوام بثقافتهم النسبية وهواياتهم السطحية، وهذا ما يضع المثقف السعودي في تحدٍ حقيقي بين الحفاظ على ثقافته العميقة أو الاندماج مع المجتمع السعودي الافتراضي بشكلٍ يؤثر على ثقافته ويحافظ على حضوره. مجتمعنا شهد تقدماً فكرياً من حيث إمكانية الظهور التي وفرتها هذه المواقع وبالتحديد تويتر للمثقف

نادية: ساهمت في تقريب وجهات النظر

السعودي الناشئ وتقديمه للمجتمع وقد ينطبق الأمر على آلاف المثقفين الذين أظهرتهم هذه المواقع. لكنها أثرت سلبياً على إنتاج المثقف السعودي بشكلٍ أو بآخر وبالذات حين أصبح تركيزه منهمكاً على عدد المعجبين وعدد المتفاعلين، بحيث يصبح التفكير في زيادة الإعجاب أكبر من التفكير في إنتاج كتابٍ مثلاً أو تأليف رواية مثلاً.

يماني: ألغت الحدود المعرفية بين الدول
المالكي: الفوضوية ما زالت مسيطرة
الجريفاني: منصة لقياس الرأي العام
باسندوة: أبعدت الكثير عن الكتاب الجاد