بعد أن خطت انتفاضة الشعب الإیراني خطوتها الأولى في مسيرتها واستعدت لخوض خطواتها اللاحقة سعى النظام وعملاؤه ولوبياته في خارج إیران للوقوف بأي شكل كان في وجه توسع الانتفاضة الإیرانية.

يبدو من النظرة الأولى أن النظام الدكتاتوري الحاكم في إیران من أجل لجم وتقييد الأوضاع المضطربة وقمع الانتفاضة الإیرانية العارمة قام بطرح سيناريو المؤامرة واتباع أساليب الكذب والمراوغة والعمل على تعزيزها حتى يستطيع العمل بطرق مختلفة، وقد جند من أجلها أجهزته الاستخباراتية.

هذا الإجراء الذي أقدم النظام على البدء به، تسابق على مساعدته ونجدته الداعمون الخفيون للنظام (أصحاب سياسات الاسترضاء الغربيين).

إجراءات النظام من أجل الهروب من سقوطه تحمل مضموناً واحداً على الجبهتين الداخلية والخارجية، رموز النظام في كل من الجبهتين خروا خائفين من رعب السقوط على يد الشعب الإیراني والمقاومة الإیرانية واهتزت أعمدة وأسس نظامهم.

وذلك لأن الانتفاضة الأخيرة التي بدأت في الأيام الأخيرة من عام 2017 تختلف كثيراً عن الانتفاضات السابقة، وهذا الاختلاف المميز لهذه الانتفاضة اعترف به رؤوس النظام وخبراؤه أيضاً.

سعيد حجاريان الذي هو أحد مؤسسي وزارة مخابرات النظام الحاكم وأحد أعمدته اعترف في أحد مقالاته التي نشرت على الصحيفة الحكومية «اعتماد» أن الانتفاضة تجاوزت روحاني وكل أركان النظام، الانتفاضة كما قال هو: «مثل أمواج البحر تتراجع قليلاً إلى الوراء لتعود وتضرب بشدة أكبر مرة أخرى».

الدكتاتورية الحاكمة في إیران واعتماداً على لبوسها الديني الذي تمتلكه تستطيع أن تكيد الدسائس بألف شكل ولون في مسيرة هذه الانتفاضة، والتي يمكن أن يكون بعضها رائعاً وبراقاً ولامعاً وآخذاً للألباب في شكلها الظاهري، ويظهرها لنا جنباً إلى جنب مع مزيد من القدرة والطاقة، ولكن كل هذه الدسائس تأتي من باب ضعف وخداع النظام، والشعب الإیراني والمنتفضون الأبطال لا تنطلي عليهم هذه الحيل، ويستطيعون كشفها بسهولة، وفي هذا الصدد فإن مفتاح الإحياء والكلمة الكيميائية هي نفسها التصميم على»إسقاط» النظام، وعدم الابتعاد عنها أبدا لأنه بالتمسك والثبات على هذه المطالب المشروعة والأساسية نستطيع تحييد كل حيل وألاعيب النظام ووكلائه وعملائه لترتد عليهم.

من الممكن أن يزعموا أنه مع استمرار هذه الانتفاضة ستصبح إیران كسورية اليوم أو أن تصبح إیران الموحدة مجزئة إلی قطع متفرقة، ومن الممكن أن يقولوا إن إیران ستصبح فريسة ولقمة سائغة للغرب والشرق أو أن تتحول إلى دولة ملحدة لا دينية وغير مسلمة وكافرة ومنافقة، ومن الممكن أن يقولوا أيضا إن إیران ستتخلف وترجع للوراء لمئات السنين وستغلق جميع أبواب المستقبل في وجه الإیرانيين، وكذلك من الممكن أن يقولوا إن الحظ السيئ سيلاحق الشعب الفقير وأبناءه.. وإلى آخره.

يجب أن لا ننسى أن كل هذا وغيره الكثير ما هو إلا جزء من سناريوهات وحيل النظام الدكتاتوري نفسها، والتي يفعلها في الوقت الحالي ويعمل على ترويجها من أجل الحفاظ على بقائه، كلمة المرور لاستمرار الانتفاضة الإیرانية هي الوقوف والثبات على الهدف الأصلي لهذه الانتفاضة ألا وهو إسقاط الدكتاتورية الحاكمة.

هم يريدون بدلاً من قتل المتظاهرين الإیرانيین في الشوارع أن يجروهم لسجون الاعتقال وقتلهم هناك، كما رأينا حتى يومنا هذا مقتل عدد كبير من المنتفضين.

وهم من أجل إنجاز هذا الأمر قاموا بتجهيز أشخاص لهم يرتدون «لباسهم الشخصي» وقاموا بزرعهم بين صفوف المنتفضين والانتفاضة الرائعة والخلاقة لیكونوا لقمة سائغة في فم إجرام هذا النظام الدكتاتوري.

هم يريدون تقسيم الشعب المنتفض إلى فئتين: فئة اقتصادية (المطالبون بتحسين الوضع المعيشي)، وفئة سياسية (المطالبون بإسقاط النظام)، حتى يتم سحق وإبادة السياسيين أولاً ومن ثم الاقتصاديين بعدهم، وفي جميع الأحوال فإن هاتین الفئتين لا يمكن تفرقتهم في أي حال من الأحوال أبداً، هم يريدون أن يجعلوا الشعب الإیراني وبخاصة الشباب الإیراني الشجاع يائساً وغير قادر على التقدم خطوة نحو الأمام، هم وقبل كل شيء يتملكهم الخوف والذعر من أن هذه الانتفاضة منظمة، وتمتلك ما تمتلكه من تشكيلات وبنية قوية وقيادة حكيمة، حيث إن الولي الفقيه للملالي ورئيس جمهوريته البائس سواءً شاؤوا أم أبوا منذ الأيام الأولى لهذه الانتفاضة فقد أشاروا إلى العنوان الحقيقي لقيادة الانتفاضة والشعب الإیراني، حيث قال حينها خامنئي إنه قد تم التخطيط لهذه الانتفاضة قبل عدة أشهر، كما أن روحاني في اتصال أجراه مع الرئيس الفرنسي طالبه حينها بمنع منظمة مجاهدي خلق والمقاومة الإیرانية من تسلم زمام أمور الانتفاضة الإیرانية وقيادتها.

  • كاتب ومحلل سياسي خبير

في الشأن الإيراني