خرج أشعب من بيته ليلاً فأمسك به العسس.. وقالوا من أنت؟ ولماذا تخرج في هذه الليلة الباردة؟.. لا شك أن وراءك شيئاً!! ضحك أشعب وقال: صدقتم أن ورائي زوجة وأطفالاً جائعون.. وأنا أشعب الطفيلي قلت أخرج لعلي أصادف عرساً، أو مناسبة!!

ثم إن العسس فتشوه فوجدوا معه سكيناً صغيرة!! فقالوا: وتحمل سكيناً أيضاً؟! فضحك وقال هذه ليست سكيناً، وإنما هي "مقلمة" صغيرة كما ترون.. قالوا: ولكن لماذا تحملها؟ تبسم وقال: نعم إذا وجدت مائدة كبيرة، وعليها لحم وفير فإني أستعين بها على قطع بعض اللحم.. وأضعه في جيبي هذا.. ثم أشار إلى جيبه الأيمن، وكان جيباً زخماً زفراً أطلس قد أثر لون الدهن فيه. وقال: هذا مستودع اللحم لأولادي. إذا صادفت شيئاً جزلاً!! قالوا: هذا يعني أنك تعترف بأنك تسرق لحوم الموائد؟ قال: كلا.. هذه ليست سرقة، ولكن بدلاً من أن تلقى في حاويات الشوارع، وتسمن عليها الكلاب والقطط آخذ منها ما يسد رمق أولادي!!

لم يقتنع العسس بكلام أشعب، وسجلوا محضراً من أجل سجنه بسبب الجنايات التالية:

أنه خرج ليلاً.. وأنه يحمل سكيناً.. وأنه يسرق ويختلس اللحوم من الموائد..

أخذوا أشعب إلى السجن، فأصابه ذعر شديد من أشكال المسجونين، ومن أصواتهم الخشنة، ومن ملامح الإجرام على وجوههم.. غير أنه رأى رجلاً سالماً وتذرف عيناه.. فسأله أشعب: لماذا أنت مسجون يا سيدي؟ هل أنت لص لحوم..؟ قال كلا.. هل أنت قاطع طريق؟ قال: أبداً.. إذاً هل ضربت أحداً أو طعنته بسكين؟ قال: أعوذ بالله من ذلك كله.. مالَكَ إذاً ومن أنت؟ أنا معلم يا رجل.. معلم.. أي والله معلم!! قل لي بربك لماذا سجنوك إذاً؟ لأنهم لم يفهموا علي حين رددت في طابور المدرسة القول المأثور: لو كان الجوع رجلاً لقتلته!!