لاشك أن تنظيم الأسرة الذي يعني -وطبقا لعلم الاجتماع العائلي- أنه: سلوك حضاري يوفر للزوجين الخيار المناسب للتحكم بموعد البدء بإنجاب الأطفال وعددهم، والفترة الفاصلة بين المولود والآخر، ومتى يجب التوقف عن الإنجاب ضمن الإطار الصحي الرشيد الذي يركز على صحة الأم والطفل معاً.. أي أنشطة تربوية أو اجتماعية أو شاملة يقوم بها الأفراد من أجل تنظيم عملية الإنجاب وتحديد مسافة زمنية بين كل طفل، وهذه العملية التنظيمية تفيد الأم والأسرة كثيرا.. فهي تريح جسم المرأة، وبالتالي تعيد إليها النشاط والحيوية، وتأخذ عملية تنظيم الأسرة العديد من الطرق والوسائل التي يتم اتباعها من أجل تنظيم البناء الأسري، وهذا الاتجاه يختلف تطبيقه ونشر ثقافته من مجتمع لآخر طبقا لخصائصه الديموغرافية، وبعده الثقافي، وموروثه الاجتماعي، وعندما نتحدث عن قضية تنظيم النسل، أو الأسرة بالمفهوم الشامل في مجتمعنا السعودي الفتي تحديداً نجد أن هذه الثقافة، أو الفكرة في الماضي لم تكن تحظى بالترحيب ولا القبول (اجتماعياً) بحكم المّكون الثقافي، والإرث الاجتماعي، فضلا عن البعد الديني، ولكن في واقعنا المعاصر.. ومع التغيرات الاجتماعية والتحولات الاقتصادية والتحديات الثقافية التي ألقت بظلالها على السنن الاجتماعية والقيم التربوية والاتجاهات القيمّية أصبحت قضية تنظيم الأسرة وضبط معدلات النسل أقرب الحلول الناجعة، وأنسب المعايير الإيجابية في تنظيم حياة الأسرة في المجتمع بما ينعكس -ميكانيكا- على استقرار وصحة البناء الأسري، والأكيد أن لتنظيم الأسرة وضبط توازن النسل في مجتمعنا فوائد جمة ومنافع صحية على الأطفال والأبوين والمجتمع بشكل عام.. فتنظيم الأسرة يساعد -بإذن الله- في خفض معدلات وفيات الأطفال حديثي الولادة ووفياتهم قبل الولادة، بالإضافة إلى تقليل نسبة إصابة الأطفال بالأمراض المعدية وتقليل الإصابة بسوء التغذية وتقليل نسبة التشوهات الخلقية والعقلية واكتفاء الأطفال من الرضاعة الطبيعية وزيادة الاهتمام والعناية والرعاية بهم من قبل الأبوين حتى ينشؤوا التنشئة السليمة، وبالتالي يصبحوا أعضاء منتجين وفاعلين في المجتمع.

كما يساهم هذا التنظيم الواعي في تحسين الصحة الجسمية والصحة النفسية والصحة العاطفية والصحة التربوية للأم والطفل.. وتقليل الأعباء التي تقع على كاهل الوالدين سواء كانت أعباء اقتصادية أو اجتماعية أو تربوية؛ حيث يساهم في توفير الرعاية الكاملة للطفل.. كالرعاية الصحية والتعليم والتغذية والترفية.

كما أن للتنظيم الأسري فوائد على مستوى (المجتمع)، ومنها تحسين الوضع الصحي والغذائي والتعليمي والاجتماعي والأمني وتقليل نسبة البطالة، وبالتالي الحد من الفقر والحفاظ على البيئة من خلال خفض نسبة الطلب على الموارد الطبيعية والاستهلاكية وتقليل الطلب على الخدمات العامة.. ومعروف، وحسب معطيات (علم اجتماع السكان).. أن معدلات الخصوبة والولادة والوفيات تزداد عند الطبقة الاجتماعية التي تعاني من فقر وأمّية في مناطق الهجر والقرى التي تعتمد في نشاطها على الزراعة والرعي.. وتقل عند الطبقة ذات المستوى المعيشي المرتفع في المناطق الصناعية والحضرية. ولذلك ينبغي تأصيل ونشر ثقافة التخطيط الوعي المنّظم لأفراد الأسرة وضبط توازن النسل من خلال رفع سقف الوعي الأسري والمجتمعي، وتبني الجهات المعنية مشروعا متكاملا لتنظيم الأسرة والصحة الإنجابية مدعوما بإرادة سياسية وتشريعات خاصة، تكون محددة الأهداف تتسم بالشفافية والوضوح مع ضرورة بناء قاعدة بيانات وإحصائيات دقيقة (ديموغرافيا) تكون الأساس الذي تنطلق منه رسم السياسات الصحية والسكانية والسياسات الخاصة بتنظيم البناء الأسري، وتمكين المرأة على نحو يساهم في سرعة عجلة التنمية الوطنية الشاملة.. ودعم عملية البناء الاجتماعي والتربوي لأهم مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني.