في إحدى الرحلات الدولية القادمة إلى جدة تصادف أن كانت الكراسي التي أمامي فارغة.. فجلست والدتي بجانب النافذة وأنا على الممر.. ولكن قبل الإقلاع كانت المقاعد التي في الوسط قد اشتعلت بصراخ طفلين صغيرين.. أحدهما لا يتجاوز العام مستمراً في البكاء بصوت عالٍ والأم تكتفي بالنظر إليه.. دون محاولة لإسكاته.. والآخر صاحب الثلاث سنوات أو الأربع تمسك به وهو يحاول الانطلاق بين المقاعد ويصرخ بكل ما أعطي من قوة تتناسب مع عمره.. صراخ مستمر ولا أحد يتحدث أو يعترض من الركاب أو طاقم الضيافة.. أو يساعد في وقف هذا المد الجارف من الإزعاج.. ولكن لم يكن هذان الطفلان هما فقط سوى بداية لأحداث ممتدة من الإزعاج والنكد في رحلة مكتظة بالركاب وكثير منهم أطفال صغار.. حيث تجاوب أطفال آخرون مع موجة البكاء التي بجانبي وتزايد الصراخ..!

قبل إقلاع الرحلة حضرت أسرة على عجل كآخر الصاعدين أب وأم وأربعة أطفال «أشقياء».. ومن حسن حظي أن الأطفال الثلاثة الكبار جلسوا في المقاعد الثلاثة التي أمامي، ولد يبدو في العاشرة وفتاة ممكن تكون 11 أو 12 سنة وآخر في الثامنة أو السابعة من عمره.. والوالدان مع آخر جلسوا في المقاعد الأمامية الوسطى على الممر.. وعند الإقلاع تفقدت المضيفة المقاعد فرفض الثلاثة ربط الأحزمة فحاولت معهم والتفتت إلى والديهم اللذين لم يحركا ساكناً تجاه دفع أولادهما لربط الأحزمة.. وبعد وقت طويل ربطوها كما يبدو مع التصاق أحدهم بزجاج النافذة..!

أقلعت الطائرة وسط صراخ متواصل ومحاولة الأب الذي بجانبي ربط الولد الذي يحاول الهرب بالحزام حتى تستقر الطائرة في الجو.. وما هي إلا دقائق وقبل أن يعلن عن فتح الأحزمة والتحرك في الطائرة حتى بدأ الولدان والبنت الذين أمامي بالتحرك في الطائرة وترك مقاعدهم واعتبارها ملعباً انطلقوا إلى داخل الطائرة يتعاركون بمزاح ويتراكضون وعادوا مرة أخرى إلى مقاعدهم وكانت هنا الكارثة لقد صعدوا المقاعد الثلاثة وبدؤوا يحولونها إلى نطيطة.. يتقافزون على مقاعدهم ويتعاركون ويواجهون الركاب على امتداد الطائرة ليخرجوا ألسنتهم.. وأولهم أنا ووالدتي.. طلبت منهم الجلوس بأدب.. ولكن لا حياة لمن تنادي.. بعدها كلمت المضيفة، فتحدثت معهم ولكن لا فائدة، عدت مرة أخرى لها لأدفعها للحديث مع والدهم.. الذي كان خارج التغطية.. فطلبت منه أن يوجههم للجلوس والبقاء في مقاعدهم، فرد ببرود: اجلسوا يا عيال وكأن الأمر لا يعنيه..!

عندما بدأت المضيفة في توزيع الوجبات غزوا بأيديهم عربتها وأخذوا الطعام وبمجرد ما تقدمت إلى الأمام كان كل الطعام على الأرض سقطت الوجبات وتناثر الرز والصحون على الأرض.. وهم في موجة من الضحك وغياب توجيه الأب أو ممارسة الأم لدورها في التأديب، فقط طلبوا من المضيفة تنظيف الأرض وتغيير الوجبات..!

ما أعاد لذهني تفاصيل هذه الرحلة الكئيبة ما نشرته صحيفة مترو اللندنية عن دراسة بحثية توصلت إلى أن ما لا يقل عن 74 % من ركاب درجة رجال الأعمال ينزعجون من ضوضاء الأطفال وجريهم من قسم السياحة إلى القسم الخاص بهم في ممرات الطائرة.. واقترحت الدراسة أن تخصص شركات النقل الجوي مقصورات خاصة للبالغين.. أو جعل بعض الرحلات مقصورة عليهم..! وتبدو مثل هذه الأفكار جيدة ومناسبة وبالذات في الرحلات الطويلة التي تصاب فيها بالصداع جراء إزعاج الأطفال وصراخهم وتراكضهم!!