«تعبت من السهر في الغرف الحمراء!»، رمقت محدثي بنظرة استنكار واستهجان بعد سماعي لكلماته تلك إلا أنه سرعان ما أكمل قائلاً: «ليس الأمر كما يبدو لأول وهلة، الموضوع مختلف تماماً عما تتصوره»، هكذا دافع عن نفسه صديقي د. عبدالله المبارك أخصائي الأمن المعلوماتي وهو يتحدث عن أحد مشروعاته البحثية المقبلة.. مقالة اليوم تبحر بكم في عالم الغرف الحمراء..

ننطلق اليوم من التساؤل: أين تقع الغرف الحمراء؟ هذه الغرف موجودة فيما يسمى الإنترنت العميق والذي يشكل حوالي 90 % من عالم الإنترنت بينما لا يتعامل الأناس العاديون سوى مع 10 % من الإنترنت السطحي! ولمزيد من التفاصيل عن عالم الإنترنت العميق فأحيلكم لمقالة سابقة بعنوان: (كيف يتواصل الإرهابيون على الإنترنت؟).

حسناً، ما الغرف الحمراء؟ هي صفحات إنترنت تقدم خدمات عرض بث مباشر لمناظر تعذيب وقتل واغتصاب مدفوعة الثمن. بكلمة أخرى يكون الضحايا مقيدين وبالقرب منهم ملثمون يقومون بعمليات التعذيب التي يريدها الزبائن على الهواء مباشرة. وكلما ارتفع الثمن ازدادت وحشية التعذيب والذي قد يصل إلى القتل بعد تقطيع الأعضاء. ناهيك عن العمليات الإباحية وخاصة تلك التي يكون ضحاياها الأطفال والقصر، وتشير بيانات إلى أن ما يقارب 80 % من الأنشطة في عالم الإنترنت العميق تكون لاستغلال الأطفال جنسياً.

ولكن، أين هم عوائل هؤلاء الضحايا والأطفال؟ لماذا لا يسأل عنهم أحد؟ تركز العصابات الإجرامية في الغرف الحمراء على الأيتام والأطفال المشردين أو استهداف اللاجئين الذين لا يجدون في الغالب من يسأل أو يبحث عنهم.

وهنا يقفز السؤال: لماذا لا يتم القبض على هذه العصابات وإغلاق الغرف الحمراء؟ تستخدم تلك العصابات عملة البيتكوين مما يجعل من شبه المستحيل التعرف على شخصية مقدمي الخدمات الإجرامية وزبائنها.

وبلا شك، فستظل تلك الغرف الحمراء وصمة عار كبرى في جبين البشرية مثلها مثل محاكم التفتيش ولا يقل بأي حال عن خطر الجماعات الإرهابية المجرمة التي تنشر الوحشية وثقافة القتل والتعذيب بين المجتمعات مع فرق أن عمليات الاعتداء والتعذيب هذه أصبحت سلعة تجارية ومادة إعلامية يتم تمويلها عبر شبكة الإنترنت العميق من الزبائن معدومي الإنسانية عبر العالم.

أما القضية الأخطر فهي وجود شرائح من قطاع الشباب العربي والسعودي ممن يعرفون هذه الغرف الحمراء ويبحثون عنها بدافع الفضول، وهذه القضية لا تقل خطورة إطلاقاً عن قضايا التطرف والإرهاب التي تجب مجابهتها وتشكيل تحالف عالمي إنساني ضدها والضرب بيد من حديد في حربها فكرياً وإعلامياً واقتصادياً وعسكرياً.

وأخيراً، فمهما بلغت بك الهموم والغموم فتذكر أنها لا شيء مقارنة بأولئك الضحايا الأبرياء الذين يعذبون ويغتصبون بالغرف الحمراء في ظلمات الإنترنت العميق إلى هذه اللحظات.

وقمة الانحطاط أن يستمتع الإنسان بتعذيب ومضايقة أخيه الإنسان سواء في الغرف الحمراء أو في أي مكان في العالم.