لا يهمني أن أفقد علاقتي بالقبيلة وأتخلى عن صلتي بها إذا كانت تلك العلاقة ستجعل من العصبية شعاراً لاحتقار الآخر والتباهي عليه، ولن يستطيع كائن من كان أن يعيدني إلى سيرة العصبية الأولى حينما يتشدق بالنخوة وقصص القبيلة وإبل القبيلة، حتى لو بلغ داحس والغبراء.

أؤكد على إحساسي ومطالباتي تلك رغم أنني وحسب ما يتسلسل من أسماء في سجل عائلتي أنني أنتمي لقبيلة ولها بعدها وأعرافها وتاريخها، لكنني اليوم المنتمي إلى وطنه أكثر، وليس كذلك فقط بل المحب للإنسان المتودد له بغض النظر عن قبيلته ومدينته ولونه، المنتصر إيجاباً بمن يجمعني فيه وطن واحد وشأن واحد ودين واحد، وخلافي ورفضي لمن يضمر شراً بوطني، وبدون هذا السبب فأنا لست ضد أو أبلغ درجة الكره لمن لا ينتمي لي وطناً أو عرقاً وحتى ديناً.. فأنا ذو إحساس بالإنسان وضد من يتجاوز عليه لأسباب وضعية لم يقرها دين ولا نبي.

بعد هذه التوطئة سأعمد لتفويت الفرصة على كل من يريد أن يتهمني بالجهل والقصور الفكري والخروج على الأعراف، وأن ما بنيت عليه حقائق قديمة مستمرة في بلادنا يصعب تغييرها، لأقول إن ذلك زمن مختلف والآن نحن إزاء آخر وخلال الجاري فالاندفاع تجاه القبيلة مُضر بلحمة الوطن كما هو الاندفاع تجاه المنطقة والعرق والطائفة، فهل وعينا أننا بفعلنا الجاري مع القبيلة أننا نبعثر انتماءنا.. نقسمه بما يجعله ضعيفاً متراجعاً، وبالتالي نضع جزئيات يمكن الاستغناء عنها وكأنها أهم من الوطن، لنصحوا على استفهام كبير عن قيمة الوطن وحاله بلا مواطن يعيش كامل وطنيته؟!.

هل آنَ لنا أن نصحوا لننتزع الإنسان المتعصب الذي في دواخل بعضنا؟ ذلك الذي ما زال يرى في القبيلة ملاذاً أهم من الوطن؟.. القبيلة لن تفعل إن لم يفعل المجتمع وقبله المنزل والمناهج الدراسية والرسائل الإعلامية، وأتمنى أن لا يغضب علي الجميع إن قلت أيضاً أن نُغير نظام الأحوال المدنية لدينا إن كان هذا النظام سيزيد من العبء الاجتماعي والفرقة فيه، ننتزع القبيلة وما يدل عليها من أسمائنا لكي نصبح متشابهين في كل شيء.. حتى نبلغ مرحلة الولاء الكامل للوطن أولاً وقبل كل شيء.

ختام القول السؤال حول هل ما نسرده سيظل إنشاء لا قيمة له؟ أم تتحرك المؤسسات المدنية ومراكز صناعة الرأي والمستقبل والتعليم، لتبني كل ما يُنمي اللحمة الوطنية، ولن نعفي مثقفينا وموجهي الرأي والمفكرين، فما يحدث جد خطير، فمتى يتحركون؟! فهل تجاهلوا أن صناعة المستقبل والتأمين الإيجابي على الأجيال القادمة يجب أن يبدأ بتحديد الانتماء والهوية الوطنية وجعلهما الأساس الذي لا حياد عنه.. لا بعثرتها بين قبيلة وطائفة ومنطقة، ولن نخجل أن نسألهم هل العودة للقبيلة وإثارة النعرات المتعلقة بها سبيل للتنمية أم معوق لها؟ هل هي موصل جيد للفرقة والكراهية وبما يفضي إلى إهدار كبير للطاقات والأموال، أو ليست كفيلاً بأن تلحق الدمار ببنيتنا وارتقائنا وبكل ما ننعم ونعيشه الآن، والمقلق الأكبر أن تكون سبيلاً للفرقة والتناحر.