المنهجية العلمية الحديثة لم تعد تقوم على الكتابات أو البحوث والدراسات العامة؛ بل على التخصصات الفاحصة، وأصبحت الدراسات تجرى في مؤسسات ومراكز بحثية علمية تقوم على البحث والتأليف المشترك وتقدم معلومات علمية دقيقة..

قبل الدخول على خط الحداثة - العولمة كانت ثلاثينيات القرن العشرين وما تبعها كان مسرحًا لنقاش ثقافي وفكري بين كبار المنظرين الفكريين والأدبيين حول مسألة الاستقلال الكامل في تقليد الغرب أو بتعبير أكثر وضوحًا ترسم الخط الثقافي الغربي بلا تحفظ.

نقطة الانطلاق في هذا المشروع الفكري نقرأها بوضوح في أطروحة د. طه حسين مستقبل الثقافة في مصر وخلاصات أفكار د. زكي نجيب محمود إذ كانت المحصلة النهائية لتلك الأطروحات والمشاريع الفكرية الاستقلال الكامل في تقليد الغرب.

لنقف عند هذه السطور من كتاب مستقبل الثقافة في مصر لـ د. طه حسين: (إن التزامنا أمام أوربا أن نذهب مذهبها في الحكم، ونسير سيرتها في الإدارة، ونسلك طريقها في التشريع.. وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزامًا صريحًا قاطعًا أمام العالم المتحضر بأننا سنسير سيرة الأوربيين في الحكم والإدارة والتشريع.. إن الطريق الحضارية واحدة فذة وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا ولنكون لهم شركاء في الحضارة).

أو عندما يقول د. زكي نجيب محمود: (إن هذا التراث كله - طبعًا يقصد التراث العربي الإسلامي - بالنسبة لعصرنا فقد مكانته فالوصول إلى ثقافة علمية لن يكون بالرجوع إلى هذا التراث بل أن نتجه إلى أوروبا وأمريكا).

وهذا يعبر عن اختلال فهم معنى الاستقلال الثقافي عند من يوسمون بأنهم قادة الفكر معتقدين أن هذا هو الحل لأزمة الخيار الحضاري ورغم أن هذا الكلام قديم يعود إلى 1930 - 1960م ما يعرف ثقافيًا بمعركة القديم والجديد أو الحداثة والتراث في مرحلة كان كبار منظرينا عالة على الغرب الحديث إلا أن ذلك الفكر تخلق في الوعي العربي عند أجيالنا اللاحقة حتى اليوم.

وهي نفس الفكرة المركزية التي كان ينادي بها الفكر الاستشراقي المتذرع بفكر الاستعلاء حين أراد أن يروض الثقافة العربية على فكرة أن العقل الغربي منذ القرن الثامن عشر وإلى القرن العشرين يتميز بخصائص ثابتة بأنه المنتج للمعرفة والذي يمتلك الحقيقة والمقدرة على التفكير وأن العقل الشرقي يتحرك خارج إطار التاريخ.

أما الدراسات المتمركزة حول الشرق الأوسط في الغرب فقد مرت بتاريخ طويل بدأت بالفضول المعرفي الشرقي والاكتشافات التاريخية والجغرافية للشرق وانتهت بالمصالح الغربية وهي ما تعرف اليوم بدراسات الشرق الأوسط والتي بدأت في هيئة مدارس ومعاهد وكليات للدراسات الشرقية ثم تحولت إلى أقسام للدراسات في جامعات الغرب والتي ترتبط بعلاقات استشارية مع الدوائر الحكومية الغربية والإعلام الغربي وصانع القرار وبخاصة في شؤون الشرق الأوسط.

وقد كان لتفاعل الأحداث والقضايا المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط انعكاس على تلك الأقسام العلمية وكان تركيزها على إسرائيل أفقدها شيئًا من حيادها الأكاديمي وإن كان بعضها يميل إلى الموضوعية حيث صارت تنظر إلى قضايا الشرق الأوسط وخاصة قضية فلسطين من زاوية حقوق الإنسان الفلسطيني بدلًا من التسليم بوجهة النظر الإسرائيلية.

مجموع هذه الملاحظات يصور حال أهم عوامل صنع الثقافة العربية مما أوقع المثقف العربي في حيرة فكرية وأعتقد أن الحل يكمن في موضعين:

الموضع الأول: فحص الأمانة الفكرية لتلك المواقف الفكرية والمؤسسات الثقافية إذ كيف يجوز لتلك الفئات الفكرية أو تلك المؤسسات العلمية أن توهم الوسط الثقافي العربي أو بالأحرى المجتمعات العربية أن هذا هو المقصود بالاستقلال الثقافي وهذا يدفعنا إلى إيقاظ ملكة التلقي الناقد عند المتلقي العربي أي إخضاع الفكر الذي يتلقاه إلى نسق يؤمن به عن اقتناع وجداني وعقلي.

إذ إن الوهم السائد بحيادية الفكر والمعرفة وحتى العلوم الطبيعية دفع بملكتنا الناقدة إلى نوع من الاسترخاء وأوقعنا في تبني فكر مختلف عن فكرنا.

الموضع الثاني: تطوير الدراسات العربية لكي تكون المرجع الأساسي لدراسة المجتمعات العربية وإحلالها بديلًا عن الدراسات الاستشراقية أو ما يعرف بدراسات الشرق الأوسط في الجامعات الغربية.

فالمنهجية العلمية الحديثة لم تعد تقوم على الكتابات أو البحوث والدراسات العامة؛ بل إلى التخصصات الفاحصة وأصبحت الدراسات تجرى في مؤسسات ومراكز بحثية علمية تقوم على البحث والتأليف المشترك وتقدم معلومات علمية دقيقة.

معظم هذا النقاش الفكري يتأثر بالتعميم إذ ليس المقصود على وجه القطع إدانة كل المفكرين أو تلك المؤسسات الثقافية والعلمية ولا معظمها.