يتفق الجميع أن القوانين مهمة لكن الأهم هو الالتزام بها من الجميع، وتطبيق النظام على من يخالفها مهما كان مركزه الوظيفي أو الاجتماعي.

وجاء في الأخبار مؤخراً عن تغريم رئيس وزراء أستراليا بمبلغ 195 دولاراً بسبب عدم ارتداء سترة نجاة بينما كان يسير بزورقه في ميناء سيدني. وجاء في الخبر أن رئيس الوزراء كان يبحر بالقارب الصغير على بعد حوالي عشرين متراً من رصيف الميناء عندما تم تصويره من أحد المصورين.

الجميل في الموضوع أن رئيس الوزراء اعترف بالخطأ، وقال إنه تعلم الدرس وسوف يتأكد دائماً من أنه يرتدي سترة النجاة بغض النظر عن مدى قربه من الشاطئ. وأضاف أن القوانين وضعت للحفاظ على سلامتنا ويتعين أن نلتزم بها.

وتضمن هذا الخبر غرق رجل المياه قبالة سواحل سيدني بعد انقلاب زورقه لصيد الأسماك، كما أنقذت مروحية اثنين آخرين، ولم يكن أي شخص مرتدياً سترات نجاة.

كانت مثل هذه الأخبار الواردة لنا من الخارج تثير إعجابناً وتصيبنا بالدهشة والانبهار وما زالت كذلك. لكننا الآن أصبحنا مصدراً لأخبار تطبيق القوانين وفرض الغرامات بعد مراحل طويلة اتسمت بالتثقيف والتوعية عبر المنابر والوسائل المختلفة.

العالم منضبط بالقوانين، والغرامات جزء من هذه القوانين، هذا لا يعني انعدام الرقابة الذاتية ولكن يعني أنها ليست موجودة لدى الجميع، ولو كانت كذلك لما احتاجت المجتمعات البشرية إلى قوانين، لو كانت كذلك لما مارس الإنسان سلوكيات تسيء له وللمجتمع. الرقابة الذاتية تمنع الإنسان من الاعتداء على الآخرين، وارتكاب الجرائم، كما تمنعه من رمي النفايات في الشوارع، وتخريب الممتلكات العامة، وارتكاب المخالفات التي تعرض حياته وحياة الآخرين للخطر. الرقابة الذاتية تساعد الإنسان على ضبط النفس والالتزام بالقوانين ليس خوفاً من الغرامات، ولكن يلتزم بها عن قناعة بأهميتها للفرد والمجتمع. مؤسسات المجتمع تقوم بدور في بناء الرقابة الذاتية بطرق وأساليب مختلفة منها برامج التثقيف والتوعية التي لن تتوقف، ولأن الوصول إلى رقابة ذاتية كاملة أمر مستحيل، نشأت القوانين وتبعتها الرقابة الخارجية لتحقيق الأمن والعدالة في المجتمعات.

انبهر بعضنا بالانضباط لدى الآخرين بسبب الصرامة في تطبيق القوانين، وحين يعودون ينتقدون عدم الانضباط وهم من أبطاله، يمتدحون تطبيق القوانين في الخارج ويطالبون بمثلها في الداخل ولا يبدؤون بأنفسهم. هذه مرحلة توشك أن تنتهي ولا بد أن نتكيف معها خاصة أن احترام القوانين والانضباط والإخلاص والنزاهة والعدالة يفترض أن نمارسها ليس خوفاً من العقاب ولكن لأنها قيم نؤمن بها ونقصر أحياناً في ممارستها.