حاولت مقالة الأسبوع الماضي تحديد ماهية البيتكوين وشقيقاتها، وتوصلت إلى أن هذه العملات الافتراضية لا يمكن تصنيفها كسلع ولا خدمات ولا أوراق مالية وليست بالتأكيد عملات، كما أن مقارنتها بالذهب والفضة المعروفين بأنهما سلع مالية «Commodity money» ومنهما اشتقت النقود التي نعرفها اليوم فيه ظلم للذهب والفضة، فما يسمى بالعملات الافتراضية ليست ثمنية في ذاتها كالذهب والفضة، كما لا تتصف مثل الذهب والفضة بالندرة فكل ماهر في برمجة الحاسب يستطيع أن يخلق أكواداً يسميها كما يشاء ويلحقها بالعملات الافتراضية.

بعض التعليقات شبهت حمى المضاربة على البتكوين هذه الأيام بجنون «التوليب» حينما باع الناس بيوتهم وممتلكاتهم لشراء الزهرة، وكان المحظوظ منهم من استطاع شراء ولو بعض بذورها قبل أن تنفجر الفقاعة، وهناك من شبه البتكوين بطيبة الذكر «بيشة» الزراعية التي كانت تُسجل نسبة بالحد الأعلى بعد افتتاح السوق بثوانٍ معدودة إبان طفرة الأسهم، وشبه آخرون في ردودهم المضاربة على البتكوين بالتسابق المحموم بحثاً عن مكائن سنجر وارتفاع أسعارها تزامناً مع إشاعة احتوائها على الزئبق الأحمر!

وإن كانت ظروف الفقاعات تختلف، إلا أن السلوك الإنساني الذي هو المسبب الرئيس للفقاعات لا يختلف من فقاعة لأخرى، فالناس الباحثة عن حظوظها بسرعة البرق هم دائماً سبب الفقاعة وهم الأسرع سقوطاً وندماً، ولا شك أن مضاربي البتكوين من بين هؤلاء اليوم، حيث خسرت العملة ما يقارب 250 مليار دولار من قيمتها في غضون أيام معدودة.

عودة لارتفاع البتكوين، فالسبب الأول - في رأيي - أن العالم اليوم مغرق بالنقد الرخيص لا سيما بعد عمليات التيسير الكمي في أميركا وأوروبا واليابان بعد الأزمة المالية العالمية في 2008. وللمثال ففي 2016 قدرت إحدى الإحصاءات النقد الورقي والمعدني المتداول في العالم بحوالي 5 تريليونات دولار، وإذا ما أضيف لها الحسابات الجارية فسيصل الرقم إلى 28 تريليون دولار، وإذا ما أضفت لها الودائع البنكية فسيقفز الرقم إلى 81 تريليون دولاراً. وأما حجم ما يتداول في الأسواق المالية بمفردها على مستوى العالم فيزيد قليلاً عن 70 تريليون دولار. وأما سوق المشتقات المالية التي وصفها وارن بوفيت يوماً بأنها “أسلحة الدمار الشامل المالية Financial weapons of mass destruction» فيصل إلى 630 تريليون دولار، ولو جمعت الأرقام السابقة لوصلت إلى رقم خرافي يزيد على «كوادريليون» (Quadrillion ) دولار نقداً وعداً (المصدر: The Money Project).

وإذا ما قابل هذا الرقم الضخم من النقد فائدة صفرية أو سالبة في معظم البنوك العالمية كما هي الحال خلال السنوات الماضية، فسنجد أن السبب الواضح لوصول البتكوين إلى ما يقرب من 20 ألف دولار أمر غير مستغرب، فالأموال الضخمة لا تجد فرصاً مجدية للاستثمار وتحول بعضها إلى المضاربة على الشيء واللاشيء ومنها البتكوين لتوصلها لأعلى الأسعار.

ختاماً، تصوري الشخصي أن ما يحصل في البتكوين ليس أكثر من مضاربة محمومة لأنه ليس هناك ما يدعم ارتفاعها لهذه المستويات، وبالفعل يبدو اليوم أن الفقاعة بدأت تتشكل في سوقها اليوم وأن انفجارها سيكون وشيكاً بداية من فقد 250 ملياراً هذا الأسبوع، كما بدأت كوريا الجنوبية أمس بفتح تحقيق حول استخدام العملة الافتراضية كوسيلة لغسيل الأموال، وهو أمر قد يظهر من وراءه الكثير مما خفي حول استخدام العملة في عمليات غير قانونية، والأكيد أيضاً أن أميركا واليابان وأروبا وغيرهم لن يسمحوا للبتكوين ولا غيرها بهز عروش عملاتهم الصعبة واحتلال مكانها بتلك السهولة بافتراض قبولنا تصنيفها كعملة نقدية.