زاد الاهتمام في الآونة الأخيرة بتحليل الشخصية ومعرفة أسرارها، وساعد في ذلك ظهور الدورات التدريبية التي تركز على جوانب الشخصية بشكل مكثف مما أعطى الدارسين والمشتركين في هذه الدورات مساحة أكبر في تحليل الشخصية، وأصبح استخدام برامج اختبارات الشخصية متوفر بكثرة وفِي متناول الجميع سواء من خلال الكتب التي تتحدث عن جوانب الشخصية أو عبر الإنترنت من مقالات ودراسات واختبارات لتحليل الشخصية من جميع الجوانب وأغلبها بدون مقابل مادي.

ويوجد تحليلات عدة للشخصية من خلال خط اليد والألوان التي يختارها الإنسان والألوان المفضلة لديه ومن خلال كتابة الاسم أو التوقيع والعديد من الاستبيانات عن الجوانب الاجتماعية والنفسية وعن المواقف والتصرفات أي ردود الأفعال السلوكية.

ويعتبر هذا الكم الهائل من المعلومات حول الشخصية مثل المقبلات العلمية التي تفتح الشهية وتدفع البشر إلى الهوس بتحليل الشخصية، والبعض أصبح يطبقها على نفسه ويركض وراء كل اختبار ليتعرف على النتيجة.. والسؤال هنا هل يستفيد البشر من الاهتمام الزائد بموضوع تحليل الشخصية في حياته العملية الفعلية أم لا؟ 

للإجابة على هذا السؤال ذكرت لنا نادية نصر - مستشارة نفسية وأسرية - نحن نحتاج لمعرفة عدة معلومات عن الشخصية أولاً - ما هو مفهوم الشخصية وما هو تعريف الشخصية، فمفهوم الشخصية هي مجموعة من الصفات والسمات التي تُكون شخصية الأفراد، وهذه السمات تختلف من شخص لآخر، حيث يتفرد كل شخص بصفات تميزه عن غيره، ويندرج تحت مفهوم الشخصية معنيان وهما المهارات الاجتماعية والتفاعلية مع البيئة الخارجية، والثاني اشتراك الكثير من العلوم في دراسة مُكونات الشخصية الإنسانية من منظور علمي ومتخصص مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الطب النفسي، أما عن التعريفات للشخصية هناك العديد من التعريفات في علم النفس والاجتماع والفلسفة والدراسات الإسلامية حسب منظور كل علم عن الجوانب المؤثرة في الشخصية، فلو على سبيل المثال أخذنا التعريفات في علم النفس ثم قارناها مع الدراسات الإسلامية سنجد الاختلاف في العوامل، ولكن التشابه في أن كل هذه العوامل مؤثرة في تكوين الشخصية عرفها العالم النفسي (كمف) بأنها الطرق والاستجابات التوافقية للفرد مع بيئته؛ أي حالة التوازن بين الدوافع الذاتية والمتطلبات البيئية، وبهذا المعنى هو يميل لعامل البيئة، وأنها المؤثر الأول على شخصية الفرد، ونحن بالطبع لا ننكر ثأثير البيئة على شخصية الفرد، وعرفها العالم النفسي (موتي بريس) أنها المجموع الشامل لخصائص الفرد والاستعدادات البيولوجية الموروثة والخبرات والأنماط المكتسبة من البيئة الخارجية، ولا نستطيع أن ننكر أيضاً العوامل الوراثية البيولوجية في تكوين الشخصية، أما (بدون) فعرف الشخصية على أنها الاتجاهات والميول المتأصلة والثابتة عند الإنسان، والتي تضبط عملية التوافق بين الفرد والبيئة، وكما نلاحظ مهما اختلفت التعريفات ولكنها اتفقت حول عامل البيئة وتأثيره ثم الوراثة ثم التربية التي تحدد الاتجاهات والميول، أي النواحي المكتسبة، وأساس الصحة النفسية هو التوافق الدائم بين الفرد والبيئة التي يعيش فيها. 

وأضافت: لو بحثنا في التاريخ سنجد أن الحديث عن مفهوم الشخصية بدأ في القرن الخامس قبل الميلاد وأول من أشار إليه الفيلسوف هيبوقراط. 

وبالنسبة للدراسات الإسلامية بعد نزول القرآن بنحو أربعة عشر قرناً من الزمان جاء فرويد بنظريته المشهورة التي قسم فيها الشخصية إلى ثلاثة أقسام هي موجودة أصلاً في القرآن، وهو ذلك الجزء من النفس الذي يحوي الغرائز وهي متمثلة في النفس الأمارة بالسوء، الأنا الأعلى هو ذلك الجزء من النفس الذي يتكون من التعاليم التي يتلقاها الفرد من والديه والثقافة التي ينشأ فيها من البيئة من حوله ويكتسب القوة الداخلية المتمثّلة في الضمير الذي يحاسب الفرد على كل أعماله وهي متمثلة في النفس اللوامة.  

أما التوازن في الشخصية فهو معتمد على (الأنا) الذي يسيطر على الصراع بين الجانبين الروحي والبدني وهو المتمثل في النفس المطمئنة. 

فحين يتحقق التوازن بين الجسد والروح تتحقق ذاتية الإنسان في صورتها وشخصيتها الكاملة. 

وتشير إلى أن تحليل الشخصية ليس بالشيء الهين إلا إذا كان على أساس علمي، وهدفه إصلاح الذات الإنسانية لتمنح الفرد عدة دوافع إيجابية للنجاح في الحياة، والتغلب على المشاكل والصعاب، فكلما زاد الاهتمام بإصلاح الدوافع وتعديل الاتجاهات إلى الجوانب الإيجابية كلما تقدمت الإنسانية.  وختمت نصر حديثها بأن الاستفادة من تحليل الشخصية للإصلاح مطلوب، ولكن إذا تخطت إلى فلسفة المعلومات وتطبيقات على الآخر فقط لإثبات الوجود والمعرفة تصبح مضرة، وتشيع الفوضى بين أفراد المجتمع، وتضعف أواصر المحبة وعدم تقبل النصح والإرشاد والتوجيه؛ لأن الإنسان يحتاج في رحلة الحياة إلى تطوير شخصيته لكي تتلاءم مع ظروف بيئته من خلال نفسه والآخرين، مع الأخذ في الاعتبار أن يؤخذ العلم في تحليل الشخصية باعتدال وأي علم نافع آخر، وخصوصاً العلوم الإنسانية مثل علم النفس والاجتماع وعلوم تطوير الذات؛ لأنك تتعامل مع إنسان له وجود وكيان. 

البعض يطالب بتحليل شخصية الفرد قبل التقدم على بعض الوظائف الحساسة