قبل مدة كنت في زيارة للسفارة الأميركية للحصول على تأشيرة، وقبل الدخول للسفارة يطلب منك رجال الأمن أن تترك لديهم هاتفك المحمول لأسباب أمنية، كان من الممتع تأمل أشكال المراجعين داخل السفارة دون هواتفهم، إذ يبدو على كثير منهم علامات التوتر لأنهم منقطعون عن العالم الخارجي، كانوا يعانون من حالة "نوموفوبيا" مؤقتة، وهو مصطلح جديد يقصد فيه رهاب البعد عن الهاتف المحمول، اختصار لجملة "no-mobile-phone phobia"، تذكرت هذا الموقف وأنا أستمع مؤخراً لحوار جميل مع الكاتب والمحاضر التحفيزي "سايمون سينك" يتحدث فيه عن ملامح جيل (مواليد ما بعد 1994)، والذي لم يمر في تاريخ البشرية جيل يشبهه، إذ إن سماته الفكرية والاجتماعية والثقافية خضعت للكثير من التشوه بسبب تأثير الثورة التكنولوجية عليه، ورغم أننا كباراً وصغاراً نعاني من إدمان الهواتف المحمولة إلا أن الجيل الصغير لم يمر بذات الحياة الاجتماعية "الواقعية" التي تخلو من العوالم الافتراضية بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات.

عاش هذا الجيل جزءاً كبيراً من طفولته في عالم افتراضي موازٍ يفتقر للتعاطي الإنساني الطبيعي، يصف سايمون سمات هذا الجيل فيقول بأنهم نرجسيون، اتكاليون، كسالى، مشتتون ويشعرون بالتعاسة. ورغم أنه لا يمكن لوم التكنولوجيا على كل هذه الصفات السلبية إذ يتعلق الأمر أيضاً بطريقة التربية وغيرها من العناصر المؤثرة إلا أن مقارنة هذا الجيل بما قبله يكشف أن الثورة التكنولوجية تتحمل ملامة كبيرة في ذلك.

يضع سايمون سينك إدمان التواصل الاجتماعي في العالم الافتراضي في ذات التصنيف مع إدمان الكحول والتدخين إذ إن العقل يفرز مادة الدوبامين المحببة أثناء ممارسة هذه العادات الضارة، إلا أن ما يميز إدمان التكنولوجيا عن غيره هو أن لا أحد يشرح لك أضراره ومخاطره. وبالتالي بات هذا الإدمان طبيعياً ومقبولاً اجتماعياً.

يشير سايمون إلى دراسة علمية وجدت أن الأشخاص الذين يقضون وقتاً أطول على تطبيقات التواصل مثل فيسبوك وانستقرام وغيرها، لديهم نزعة أعلى من غيرهم للاكتئاب والقلق، كما أن علاقاتهم الاجتماعية الطبيعية تعيسة، إذ عندما يواجه أحدهم موقفاً يحتاج فيه للمساعدة فإنه لا يتجه نحو شخص للحديث معه بل يبحث عن الحل في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وأخيراً، قد يرى البعض أن تحذيرات سايمون تحمل مبالغة حول مخاطر سوء استخدام التكنولوجيا، لكن الواقع يقول بأننا نعاني من مشكلة حقيقية لا نرى أبعادها لأننا مستمتعون بهذا الخدر الذي تمنحنا إياه لكن كل المعطيات تقول بأن ملامح حياتنا الاجتماعية ستتغير بشكل سلبي كبير ما لم نتنبه ونعمل على خلق توازن في التعامل مع العالم الافتراضي.