طوّع سيد درويش قبل وفاته الألحان حتى تخدم الكلمة والمعنى، فيما عُرف بالغناء التعبيري، والذي يوحي اللحن فيه بمضامين الشعر، ومن بعده جاء منير مراد ليصبح رائد الأغنية الخفيفة المرحة، الذي كان رائداً من رواد الموسيقى الراقصة والاستعراضية في مصر ووضع أشهر موسيقى الرقصات التي كان يؤديها معظم نجوم الزمن الجميل اعتماداً على الكلمة البسيطة، المحترمة، خفيفة الظل، والقريبة إلى قلب كل سامع من الصغير إلى الكبير، ثم جاءت الأغنية الشبابية، والتي نبعت من الغناء الطربي، ثم تمردت عليه، خالقةً دماً جديداً بدأ مزاحمة سلاطين الطرب عروشهم بسيل من الوجوه الشابة تصدّرها العندليب عبدالحليم حافظ.. حتى ظهرت الأغنية الشعبية التي جاءت من طبقات المجتمع الكادحة والشعبية عاكسة تطورات جذرية في أسلوب الحياة اليومي الذي تأثر بتغيرات سياسية واقتصادية فارقة، إضافة إلى أشكال أخرى من الغناء ظهرت وأخذت حيزاً فنياً كبيرة في فترة من الفترات كالطقطوقة التي تتميز عن غيرها من أشكال الأغنية بطريقة النظم والتلحين والغناء، حيث تتكون من مذهب وعدة كوبليهات ويعاد تكرار المذهب بعد كل منها كما يختم به الغناء، وأشهر من قدمها سيد درويش بينما أشهر من غناها أم كلثوم، بالإضافة للمونولوج الغنائي الذي يتميز بالتقائه مع التأليف الموسيقي في الغزارة والاسترسال والتدفق والاندفاع والنفس الطويل وخصوبة المخيلة الموسيقية حيث كان أشهر من قدمه محمد القصبجي والأخوان رحباني، بينما كان محمد عبدالوهاب هو أشهر من غناه.

وطوال سنوات طويلة، كان كل باحث عن الشهرة، يتسرب إلى الفن عبر أحد تلك المسميات، ويبدأ في نسب نفسه إلى الوسط الفني والتباهي بلقب فنان، فإن حقق جماهيرية واسعة شبّه نفسه بهؤلاء النجوم، وإن استنقص الجمهور مما يقدمه ادعى أنه يتبع خط اسماعيل ياسين أو إبراهيم شكوكو، وكأن ياسين أو شكوكو ولأنهما لا يملكان حنجرتين ذهبيتين فهما أقل قدراً وقيمة من نجوم الزمن الجميل وليسا من رواد تلك الفنون وأفضل من قدمها بشكلها الخفيف والجميل، والمحترم.

الشائع في الزمن الحالي أن معظم مفردات الوصف للأغنية بكل أشكالها فقدت معناها، فالأغلبية تعرف تلك المفردات وترددها دون أن تفهم معناها، وإن توجهت لأحد فناني الصدفة لتسأله عن أغنية «تافهة» قدمها سيجيبك بأنها مونولوج أو طقطوقة أو أغنية خفيفة أو شعبية، ولا تختلف عن ما قدمه كبار النجوم في الماضي، وهي أبعد ما تكون عن ذلك.

وفي ظل عصر «السوشال ميديا» ومن أجل حرب البقاء، تسربت أعداد كبيرة من فناني الصدفة على تلك التطبيقات إلى الفن عبر هذه المسميات، فتجدهم يقدمون أعمالاً غير مقبولة على الإطلاق ولا يمكن تصنيفها فنياً ومن ثم يصرون على أنهم فنانون ولكن من نوع آخر، والكارثة عندما نجد جماهير عريضة من المراهقين تتبعهم وتصفق لهم دون أن تفهم، فيسعد بهم ذاك المشهور ويجيشهم للدفاع عنه بكل وسيلة ممكنة ليجد نفسه بعد سنوات قليلة بلا شهرة أو جمهور، والسبب أن تلك الجيوش نضجت وكبرت وتغيرت ذائقتها الفنية بينما بقي هذا المشهور وحده خاسراً حربه من أجل البقاء وبلا أي قيمة تُذكر.

نماذج لكليبات أغانٍ تافهة ظهرت مؤخراً