قدِمت امرأةٌ إلى مكة تريد الحج والعمرة، وكانت من أجمل النساء، فلما ذهبت ترمي الجمار رآها عمرُ بن أبي ربيعة الشاعرُ المعروف، وكان مُغرماً بالنساء والتغزل بهن،

فكلمها فلم تجبْه، فلما كانت الليلة الثانية تعرض لها.

فصاحت به: إليك عني؛ فإني في حرم الله، وفي أيام عظيمة الحُرْمة؟

فألحَّ عليها، فخافت من افتضاحِ أمرها، فتركته ورجعت إلى خيمتها،

فقالت لأخيها في الليلة الثالثة: اخرج معي فأرني المناسك،

فلما رأى عمرُ بن أبي ربيعة أخاها معها، مكث في مكانه، ولم يتعرّض لها،

فضحكت وقالت كلمتها المشهورة:

( تعدو الكلابُ على مَنْ لا أسودَ لهُ

وتتّقي صولةَ المُسْتأسدِ الضاري)

كتاب عيون الأخبار 107/4

قلت: أُحب قراءة كتب التاريخ عامة، وتاريخ الأدب خاصة، لما فيها من أنوارٍ اجتماعية وسياسية واقتصادية، فضلاً عن (الإمتاع) وإثراء العمر، فقطار التاريخ يمر بك على العصور القديمة كأنما تراها، سياحة في الزمان والمكان والإنسان:

(ومن حوى التاريخ في صَدْرِهِ - أضاف أعماراً إلى عُمْرِهِ)

يُضاف أن حكمة التاريخ واقعية تُشرّح المجتمعات والأفراد، وتُجرِّد من الزيف، وتجعلك أكثر فهماً للناس وللسياسة، وأقدر على فهم واقعك مُقارنةً بالماضي ومُقاربةً له، وخاصة تاريخ الأدب المدعّم بالشواهد الشعرية، فالشعر هو وجدان الأمم ومرآة مشاعرها وسلوكها الاجتماعي والسياسي، لأن الشاعر الصادق لا يُماري ولا يُداري..

ومن الحَدَث الذي أورده ابن قتيبة (وهو ثقة) وتكرّر في أكثر من مصدر، نعلم أنّ الدولة السعودية من أفضل الدول التي مرّت على المسلمين في تطبيق الشرع المطهّر، فإذا كان التغزّل بل التحرّش بالنساء موجوداً في عصر المنصور، ذلك الخليفة الحازم، فإنّه يعد هذا العصر من بين أفضل العصور في المحافظة على القِيم والشرع المطهر.

كما أن الواقع ومن خلال خدمة الحرمين الشريفين بهذه الجزالة والقوة، يضع العصر السعودي، من الأفضل أيضاً في هذا الجانب، مع تطبيق الشريعة ونصرة قضايا المسلمين في كل مكان، وعلى من لم يستوعب ذلك قراءة التاريخ بموضوعية وإنصاف.