لا يخفى على الجميع مستوى التقدم الطبي الذي يشهده العالم حيث نفى كثيراً من تلك المفاهيم الخاطئة ووضع التفسيرات الطبية الصحيحة والمبنية على الدراسات والأبحاث المستفيضة فأجهض الكثير من المعتقدات والمقولات التي تتعلق بصحتنا كنا توارثناها من الأجيال السابقة وأصبحنا نتناقلها بيننا دون أن نتأكد من صحتها.

خلال ممارسة عملي في عيادة طب الأطفال تعرضت إلى بعض تلك المفاهيم الخاطئة من بعض المرضى والتي كانت عائقاً لتقديم الخدمة الطبية المثالية للمريض، من خلال هذا العدد نستعرض بعض تلك المعتقدات متمنياً أن أُوفق في المساهمة في تصحيحها سعياً لخدمة المريض على الوجه الأكمل:

  • سحب عينة السائل الشوكي من أسفل الظهر تسبب الشلل!

هذا اعتقاد بعض المرضى أو آبائهم وبالطبع هو اعتقاد خاطئ بل على النقيض فربما تسبب امتناعهم عمل تلك العينة إلى حصول مضاعفات خطيرة مع الطفل المريض قد تصل إلى الوفاة لا قدر الله كما سنعرف لاحقاً عند شرح مستطبات عمل ذلك الفحص.

يتعرض الطفل وخاصة في السنوات الخمس الأولى إلى تشنجات تصحب بحالة من فقد الوعي وارتفاع درجة الحرارة.

تتعدد أسباب تلك الحالة وتتفاوت من مسببات بسيطة وغير مترافقة مع مضاعفات في معظم الأحيان مثل التشنجات الحرارية المترافقة مع الالتهابات التي تصيب الجهاز التنفسي العلوي وأمراض الرشح خاصة في فصل الشتاء ولدى الأطفال الذين لديهم قابلية لحدوث مثل تلك التشنجات.

ولكن في الجانب الآخر قد يكون سبب تلك التشنجات أمراض خطيرة إذا لم يتم تشخيصها وعلاجها بشكل سريع مثل التهاب السحايا والدماغ والذي قد يؤدي في حالة إهماله إلى إعاقات بصرية، سمعية أو حركية أو جميعها معاً.

تكون علامات التهاب السحايا واضحة عند الأطفال الأكبر سناً من خلال الفحص السريري حيث تظهر على شكل تيبس وألم في العنق، الخوف من الضوء، ألم في أسفل الظهر عند ثني الطرف السفلي من مفصل الفخذ والركبة.

ولكن تلك الأعراض لا تكون ظاهرة بشكل عام على الأطفال الأقل عمراً من سنة ونصف مما يجعل فحص السائل الشوكي حتمياً لدى المصابين بمثل تلك التشنجات مجهولة السبب.

نستعرض أسباب الحمى الشوكية "التهاب السحايا" وطرق تشخيصها وعلاجها ومضاعفاتها.

تتعدد أسباب الحمى الشوكية فمنها البكتيرية والفيروسية والطفيلية.. تعتبر الأسباب الفيروسية أكثر الأنواع المسببة شيوعاً ... أما المسببات البكتيرية فهناك أكثر من نوع بكتيري يسبب التهاب السحايا، من أهمها بكتيريا تسمى Haemophilus influenzae وبكتيريا pneumococcal ، meningococcal لدى الأطفال الأكبر سناً وبكتيريا Escherichia coli or Listeria species GBS عند المواليد الجدد.

تهاجم هذه البكتيريا أغشية الدماغ وتتكاثر في السائل الدماغي داخل هذه الأغشية. وتشبه أعراض هذا المرض في البداية أعراض الرشح العادي، ثم يتبعها صداع وحمى تسمى الحمى المخية الشوكية وتشنج في عضلات الرقبة والظهر. يصاب الإنسان أحياناً في الحالات الشديدة بفقدان السمع وفقدان الوعي.

في الأطفال الصغار والمواليد الجدد تظهر الأعراض على هيئة:

  • البكاء أو الأنين غير العادي

  • التنفس السريع

  • العصبية لمجرد اللمس

  • التقيؤ (الاستفراغ)

  • رفض تناول الطعام

  • البشرة الشاحبة

  • فقدان التوازن الحركي أو فتور الهمّة وعدم الاستجابة

  • الإحساس بالنعاس المتكرر أو صعوبة الاستيقاظ من النوم

  • ارتفاع درجة الحرارة مع برودة اليدين أو القدمين

  • انتفاخ اليافوخ (وهو المنطقة الليّنة الموجودة في الجزء العلوي من رأس الطفل

  • ظهور بقع أو طفح جلدي

تحدث العدوى عن طريق استنشاق رذاذ الهواء الملوث بالبكتيريا، حيث تدخل بداية إلى الجهاز التنفسي وتتكاثر، ومن ثم تنتقل عن طريق الدم إلى الجهاز العصبي، وبالتحديد إلى أغشية الدماغ، وتفرز السموم هناك ومن الظواهر الملفتة لهذه البكتيريا أنه يسهل امتصاصها بوساطة كريات الدم البيضاء التي تتجمع عند الأغشية الملتهبة وتعيش البكتيريا في المسالك الأنفية والأغشية المخية ومنها تنتشر أثناء الحديث أو السعال.

التشخيص والعلاج

كما ذكرنا سابقاً أنه يمكن تحديد ذلك من القصة المرضية والفحص السريري وبعض الفحوصات المخبرية التي من أهمها بل هي حجر الزاوية في تشخيص مثل تلك الحالات وهي عمل عينة للسائل الشوكي خاصة لدى الأطفال الأقل من عمر سنة ونصف ممن حدث لديهم تشنجات مترافقة مع ارتفاع في درجة الحرارة لاسيما وإن كان هذا التشنج هو الأول من نوعه في حياة الطفل.

عمل عينة البزل القطني "إبرة صغيرة يتم تمريرها بين الفقرات السفلى للظهر حيث تصل إلى التجويف الذي يملؤه السائل الشوكي لغرض الحصول على كمية بسيطة من هذا السائل وفحصه "هذا الإجراء يعمل خلال 15 دقيقة تحت التعقيم وتحت مستوى الحبل الشوكي. لذا فإن احتمالية حدوث شلل كما يتناقلها البعض غير واردة.

يتم الحصول على النتيجة المبدئية خلال نصف ساعة يطمئن بعدها الطبيب كما يطمئن الأهل على صحة طفلهم.

وخلال ذلك يكون الطبيب قد بدأ باستعمال المضادات الحيوية عن طريق الوريد قبل ظهور النتائج خاصة إذا كان هناك ترجيح كبير للإصابة بالحمى الشوكية.

يتم العلاج عادة بمضادين حيويين مركبين لضمان أن يغطيا جميع الأسباب البكتيرية المسببة المحتملة.

في حال ظهور النتيجة سلبية "سليمة" قد يرى الطبيب تخفيض جرعة المضادات الحيوية والاكتفاء بمضاد حيوي واحد أو خروج المريض على مضاد حيوي عن طريق الفم لعلاج أي التهاب في الجهاز التنفسي مرافق بعد استقرار حالة الطفل وإعطاء التعليمات للوالدين بكيفية تجنب التشنجات الحرارية مع الطفل مستقبلاً.

بهذا الفحص البسيط نحن كسبنا مايلي:

  • اختصرنا فترة بقاء المريض في المستشفى

  • كان علاجنا موجهاً بصورة صحيحة

•- والأهم أنّا استبعدنا وجود مرض خطير كان سيتسبب في إعاقات دائمة مع الطفل أو الوفاة لا قدر الله في حال عدم معالجته عاجلاً.

الجدير ذكره أن ذوي بعض الأطفال وعند طلب الطبيب عمل تلك العينة يقومون بالرفض مبدئياً وبعد يومين أو ثلاثة يبدون الموافقة وهنا أشير أن عينة السائل الشوكي تتأثر بالمضاد الحيوي المعطى للطفل إذا كانت فترة البدء بتلقيه أكثر من 36 ساعة حيث تعمل جرعات المضاد الحيوي بتدمير البكتيريا المراد الكشف عنها فيصبح عمل العينة بعد تلك الفترة غير مجدٍ بدرجة كبيرة.

أنواع الشلل

رسالتي للقراء الكرام سؤال أهل الاختصاص وعدم الالتفات إلى مايقال هنا وهناك عن بعض المعتقدات الطبية الخاطئة والتي قد يكون ضحيتها طفل لم يُقدّر له أن يختار صالحه. ورسالتي إلى زملائي في المهنة الشرح الوافي للمريض عن حالته ومدى المخاطر المترتبة على رفض هذا الفحص والرفق بالمريض بالحديث اللين والإجابة عما يتبادر في ذهنه بكل سعة صدر ومحاولة كسب ثقته وقناعته بما هو مناسب طبياً له. خلال فترة ممارستي في طب الأطفال لم أر حالة واحدة تأثرت بشلل أو بغيره نتيجة عمل عينة من السائل الشوكي من أسفل الظهر وفي المقابل شاهدت العديد من الإعاقات التي حدثت نتيجة التهابات حمية شوكية سابقة. أرشدنا الله وإياكم لما ينفعنا وحمانا جميعاً من كل مكروه.

تجاهله قد يتسبب في إعاقة سمعية أو إعاقة حركية