يندلق صوت أم كلثوم أعطني حريتي، يسري حتى خفايا الروح، ليروي ظمأ المهمومين والحالمين، أذكر في ليالي الشتاء البعيدة، كنا نتحلق حول الراديو، هنا لندن بصوت ماجد سرحان، العالم هذا المساء، ثم نعرج إلى هنا القاهرة، لنحلق مع أم كلثوم، نصغي لها بكل جوارحنا، ننتشي معها مدفوعين بآمال وآلام تلك المرحلة الحالمة، وإنسانها الكادح المتطلع للحياة والمستقبل، قبل أن يحيله حطام السنين البالية إلى كائن عبثي مستهلك، ذلك الصوت القادم من تخوم الحكايات البعيدة، شكل ثقافتنا وأذواقنا، وختم بخصوصيته على مرحلتنا وجيلنا، فأصبحنا أسرى لتلك الحقبة العنيفة في جاذبيتها وطهرها وآمالها، حتى تربى داخلنا ذوق أسطوري أصيل تصعب هزيمته من قبل المبحوحين في أصواتهم، والمطعونين في أذواقهم، والمنجدين بألحانهم.

أمس وقفت على ناصية محل لبيع الأغاني الطربية، نجا بأعجوبة من حملات داهمت مئات المحلات، كان المحل يكتظ بمجموعة من الشباب يبحثون عن أسماء لا أعرفها، يبدو أنها أسماء لأنصاف مطربين، سطو على الذوق العام، من خلال استلابهم على شريحة لا تميز بين طبقات صوت المطرب، وصوت الموسيقى التي استخدمها بعض المرتزقة من المنتجين لتسويق أصوات ليس لها علاقة بالطرب الأصيل، لا من بعيد ولا من قريب، فقط للاسترزاق، والكسب المادي عبر شركات إنتاج مزعومة، غزت الأسواق من خلال سماسرة ليس لهم علاقة بالفن، صنعوا بعض الأصوات المبحوحة تحت ضوضاء وصخب الموسيقى، ليتشتت من خلالها تركيز المستمع، لتقييم ضعف وهزالة صوت المؤدي، سألت أحد هؤلاء الشباب عن الموسيقى التي يحب، فصمت ولم يجبني، وسألت شاباً آخر يرافقه، قال ما معناه أحب الموسيقى الصاخبة الراقصة، سألته عن مطربين الزمن الجميل، سألته عما إذا كان يستمع لأم كلثوم، وفيروز، وفريد الأطرش، وعبدالوهاب، قال ما معناه أسمع بأم كلثوم، وفيروز، أما بقية الأسماء لا أعرفها، هكذا كانت إجابته، ذُهلت طبعاً لهذه الإجابة، التي ليس له ذنب في تراكمها، لكنني دعوته إلى إعادة برمجة ذوقه من جديد، سألني مبتسماً كيف أعيد برمجة ذوقي، قلت جرب أن تسمع الأطلال لأم كلثوم، أو رباعيات الخيام، أو ذكريات، أو حاول أن تسمع أغنية الربيع للموسيقار فريد الأطرش، أو الكرنك لعبدالوهاب، ستكتشف جمالية التدفق الموسيقي لدى هؤلاء والنشوة التي تجتاحك، والهدوء الذي يغمرك، وصفاء الروح الذي أوصى به جدنا ابن رشد، لأن الموسيقى تفتق النفس وتفلتر الروح.