عندما تكون قائداً بمرتبة رئيس دولة تغدو ملكاً للتاريخ وشهادته، وبالتأكيد لا معنى هنا لحياتك الخاصة؛ وهو بلا شك ثمن قليل أمام اختيارك خلود التاريخ.

دخل باراك أوباما البيت الأبيض كأول رئيس أسود للولايات المتحدة الأميركية، وعندما غادر اكتفى بإنجازه الوحيد «أول رئيس أسود للولايات المتحدة الأميركية»؛ أضاع مدته في تنفيذ خرائط وأجندات سابقيه، وبكم هائل من النظريات والتمنيات التي لا تليق برجل يملك كل المفاتيح..

جاء دونالد ترمب وحرك المياه الراكدة، وجد كل الملفات مواربة بأنصاف حلول؛ وانطلق يوزع بصماته ويصحح كل المسارات التي سلكها سابقوه، ويعيد الحياة لروح المبادرة الأميركية التي فقدت هيبة قيادتها للعالم خلال العقدين الماضيين.. قدم ترمب حلولاً جديدة تنظر للقضايا بمعايير «الإنتاج» الذي لطالما برع فيه.. وراح يفتح الملف تلو الآخر بعيداً عن المراوغات.. وأنصاف الرغبات.. ماذا يريد العالم أفضل من قائد مباشر واضح في مساعيه ومبرراته؟

اتفقنا أم اختلفنا معه فإننا لا نستطيع أن ننكر أنه حطم الكثير من التابوهات العتيقة، التي نمت حولها الفطريات، وانعتق من قيود بيروقراطية المكتب البيضاوي، وبالطبع لم يك أحد يتخيل أن يحكم أميركا رجل يشكك بمصداقية السي آي أي، ويطلق حملة ضد الإعلام الأميركي و»أخباره المزيفة»؛ دون أدنى اهتمام بتأثيره على شخصه ورئاسته، وعلى إمكانية توجيهه الرأي العام ضده وتربصه المتوقع بمشروعاته وتوظيفها للإساءة إليه.

ترمب وكما توقع المتابعون لشخصيته المثيرة للجدل نفض الرتابة التي طغت على السياسة الأميركية، تلك التي خلقت التشابه الحاد بين الديموقراطيين والجمهوريين، وأخلت بميزان التركيبة والتصويت في الكونغرس، وظهر بصورة الرجل الجريء الذي يصنع قواعده الخاصة ويبني تاريخه الخاص، وأعتقد أن أحداً لن ينكر أنه ليس تكراراً لسابقيه، وليس مشغولاً بإرثهم المترهل، ولن يكون بأي حال أسوأ رئيس، حيث لن يصل لكارثية جورج بوش الابن ولن يشغل العالم بمتدربات البيت الأبيض.

السياسة ليست بالاستهانة أو الانصراف عمن نختلف معهم؛ بل في اقتناص إيجابياتهم، وبحث الشراكة معهم، وتطويع فرص البناء، لسببين الأول أنك لن تستطيع تجاهل الفيل الموجود معك في الغرفة أياً كان لونه، والثاني أن المرحلة مليئة بالملفات المعلقة وتحتاج إلى الرهان على حليف/ قائد لا يحمل ترسبات سابقيه ولا حسابات/ أوهام مراقبيه.