حول العالم

الحكومة البراغماتية

الحكومة الأميركية مثال لحكومات كثيرة لا تصرف على التعليم الجامعي، ولا تبني المستشفيات، ولا تضمن الوظائف، ولا تقدم الخدمات للمواطنين.. تأخذ ضرائب على الجميع، وتؤجر طرقها البرية، وسككها الحديدية، وخدماتها العامة على شركات استثمارية ترفدها بالمال..

...وهي مجرد مثال على حكومات براغماتية كثيرة ألقت عن عاتقها مسألة التمويل والإدارة واكتفت بسن القوانين ومراقبة السوق.. والبراغماتية تعني الواقعية والعملية والحكم على نجاح أي عمل من خلال الواقع والتطبيق (وليس الشعارات والأيدولوجيات ومخاطبة العواطف والرغبات)..

والحكومات البراغماتية (وهذا تعبيري بالمناسبة) قـد تبدو قاسية وفظة ولكنها على أرض الواقع ناجحة جدا.. فهي تقدم خدماتها العامة بأسلوب القطاع الخاص وتضمن في نفس الوقت تمويل الخدمات التي لا يفترض تقديمها مجانا (كالتعليم والرعاية الاجتماعية).. وبهذه الطريقة تقدم خدمات عالية المستوى (تمول نفسها بنفسها) الأمر الذي يعني خلق المزيد من الوظائف فيها...

في الدول البراغماتية المزدهرة تنخفض نسبة الوظائف الحكومية مقابل وظائف القطاع الخاص لدرجة تعاني تايوان وسنغافورة وهونغ كونغ من عزوف المواطنين عن وظائف الدولة.. وفي أميركا يعمل 91 % من المواطنين في القطاع الخاص لدرجة أن واشنطن هي المدينة الوحيدة التي يزيد فيها عدد الموظفين الحكوميين عن الموظفين الأهليين (بسبب تركز المؤسسات السياسية والحكومية فيها)...

وفي المقابل لاحظ كيف تتكفل الدولة لدينا بتوفير الوظائف والخدمات وتستمر بالصرف على الاثنين من الميزانية العامة.. خلقنا اقتصاداً ريعـياً لم يكن ليظهر أو يستمر لولا آبار النفط (التي لن تصبح قادرة مستقبلا على تسديد الرواتب بدون تنويع مصادر الدخل)..

خلال الثلاث سنوات الماضية أصبحت حكومتنا أكثر براغماتية وواقعية (رغم القرارات الأبوية التي يفاجئنا بها خادم الحرمين بين الحين والآخر).. يتضح ذلك من محاولتها تنويع مصادر الدخل، وفي نفس الوقت عدم ارهاق المواطن بأعباء الخدمات المقدمة للجميع.. من أبسيط بدهيات الحياة وجود ثمن لأي خدمة أو منتج يقدم للغير غير أن ثلاث طفرات نفطية ألغـت من أذهاننا هذه البدهية.. اقتصادنا الريعي جعلنا نتعود على المجانية، ولكن لاشيء يضمن استمرار الخدمات (وبمستوى عالٍ من الجودة) غـير تحرير أسعار الخدمات، والبدء بتمويلها من خلال جمع ضرائب مئوية تناسب كافة المستويات الشرائية...

أنا شخصيا على قناعة بأن نجاح أي وزارة أو مؤسسة حكومية يعتمد على تحويلها إلى "قطاع خاص" يعمل على أساس الربح والتمويل الذاتي. وإجراء كهذا من شأنه الارتقاء بـأداء المؤسسة ذاتها، وتخليص الدولة من أعباء تموينها وإدارتها، وتمتع المواطن بخـدمة راقية ومعاملة جيدة (على الأقل بمستوى البنوك والمؤسسات والمستشفيات الخاصة)..

وترتيب كهذا ليس مكلفاً على المواطن العادي (كما يبدو للوهلة الأولى) لأن التنافس بين الشركات سيخفض تكاليف الخدمات في حين سيتكفل التأمين التعاوني بدفع مصاريف الصحة والعجز والظـروف الطارئة ــ وفي النهاية تُجبر الحكومة البراغماتية بحكم القانون على رعاية من عجزوا عن كل ذلك...






مواد ذات صله

Image

«النخلة تعاني هجران المزارعين

Image

"الباحة" بجبالها وجهة هواة التصوير

Image

قتل زوجة المستقبل بعد أول لقاء!

Image

إطلالة على «كنوز العلا» من السماء

Image

عراقية تلد سبعة توائم في ولادة نادرة

Image

تحذير مصري من السفر بالعقاقير







التعليقات

1

 ساعد السوني

 2018-01-28 16:50:34

بسم الله الرحمن الرحيم.
أتفق مع الكاتب الكريم بأن الخدمات والمنافع بشكل عام يفترض ألا تكون مجانية.هذا شيء بديهي,ولكن التغير من الحالة الريعية إلى الحالة الحيوية للإقتصاد بحيث يكون الإقتصاد براغماتيآ يجب أن تأخذ وقتآ كافيآ من المواطنين والمقيمين للتعود على الظروف الجديدة بما يضمن التوازن لهم وحتى لاتحدث صدمة إقتصادية(إذا جاز التعبير)لهم وخاصة للطبقات الكادحة ومنخفضة الدخل بشكل كبير.تحياتي.

2

 يوسف الدخيل

 2018-01-28 15:32:36

مقال جميل يا اخ فهد القطاع الخاص اذا أردنا له إن يستوعب التوطين بنسبه قد تصل إلى 90% يجب أن يدعم من القطاع العام وذلك من خلال رؤية واضحه و شفافية كامله اما إن يتخبط لعدد من القرارات المتناقضة عند تولي كل وزير فهذا لا يساعد على استقرار العمل
و الدول ترسم عملها بخطط خمسينيه و ليست يوميه أو شهريه ومثال على ذلك متر العمل الذي تغير قيمته من 100 ريال إلى 2500 ريال بقرار من وزير كذلك تغير أسعار المشتقات البترولية في يوم و ليله له انعكاسات سلبية على القطاع الخاص و إن كنت من المنادبن برفع أسعار المشتقات البترولية ولكن كان من المفروض أن ينوه عنها قبل سنه كامله تخيل عقود النقل السنويه التي وقعت قبل شهر من سريان العقد الجديد يتفاجئ شركة النقل أنه سوف تفلس لو ما تغير الأسعار لتغطية فارق السعر وهذا سوف يخضع لقبول الطرف المتعاقدة معه ربما يرفض و يحمل شركة النقل المتضررة غرامة إنهاء العقد
(رئيس الشركة السعودية الأوربية لتسوق التمور)

3

 الحكيم

 2018-01-28 10:02:36

كنت احترمك قبل مقالك هذا
الضرائب لا تأتي بخير ابد و يتحول الشعب الغلبان الى الصرف على الحكومة بدلا من العكس
وانظر لجيرانك العرب سبقونا الى الحكومات البروغماتية وكانت قبلها تعيش رخاء وبعد الضرائب اصبحو فقراء ويشحثون ويبحثون عن العيش الكريم في غير اوطانهم ونحن وانت ايها الكاتب وذريتك لنفس المصير

4

 ابو فيصل

 2018-01-28 10:02:34

الوقت له ثمن. والحصول على الخدمة بعد وقت طويل وإن كان مجاناً يكلف أكثر من رسم خدمة فورية، وبخاصة في مجال الخدمات الحكومية المرتبطة بالأعمال. فقط الخوف من دفع رسوم ثم لا نحصل على خدمة بالمستوى المطلوب والوقت المحدد... وقد يكون الحل ..الشرط .... إذا لم تحصل على كامل الخدمة خلال (عدد محدد من الساعات أو الأيام) فإنها تقدم لك مجاناً.

5

 أبو وفاء

 2018-01-28 09:38:12

لا تنسى أن الحكومة البراغماتية في الغرب تدفع ثمنا سياسيا مقابل نظامها البراجماتي .!

6

 سامية

 2018-01-28 09:01:28

كل ماذكرت مشتق أساسا من النظام الرأسمالي المتوحش..الذي سيجعل هم الناس جني المال بأي وسيلة كانت..والبخل به على أقرب الناس..
ستذوب كثيرا من الأخلاقيات وعادات الكرم(المعتدل) وسنفقد ذواتنا أكثر..

الحكومة البراغماتية موجودة في السعودية لكن بعكس امريكا رجال الأعمال سعودي متجنس سعودي اوجيه بن لادن باعشن الدولة اوكلت الخدمات العامة لهذه الشركات قطاع خاص بدفع مبالغ مالية هائلة لتعبيد الطرق والصيانه ومشاريع البلديات وهذولي الهوامير التجار سحبوا على المواطن ووظفوا عمالة اجنبية بنسبة 100% 20 مليون وافد هم الطبقة الوسطى في السعودية اجانب والمواطن طبقة فقيرة نريد ان نكون تشغيل ذاتي لمشاريع الوطن الغاء المناقصات ويكون العامل والموظف سعودي الغسال والمطاعم والبقالات العمال مواطنين نبنبني بيوتنا بايدينا من طين من صفيح من خيام لا داعي للأجنبي حتى السوق التجاري عندنا كله اجانب ايعقل هذا ونحن رحلة الشتاء والصيف للتجارة

8

 حميد احمد

 2018-01-28 08:14:04

دول كثيره قامت بخصخصه شركات القطاع العام.. وللاسف كانت النتيجه افلاس وغلق وتشريد عمالها !!
حيث قامت الشركات المراد تخصيصها بتسريح اغلب موظفيها حتى يستطيع المستثمر شرائها..
فاخترعوا بند ما يسمى. ( بالعماله الزائده)
ليتم تسريح هذه العماله.. فما كان بعد الخصصه انها افلست نظرا لاطماع المستثمر..
واذا خصصت الوله الوزارات والاعمال .. فمن اين تصرف الدوله على العم للشعب ؟
انا شخصيا لست مع خصخصه اي وزاره او شركه.. لاني اثق في الحكومه ولا اثق في اي مستثمر

9

 أبو تميم حمد الربيعة

 2018-01-28 05:18:20

ودخل النفط من يروح له؟

10

 متابع

 2018-01-28 03:09:38

لو تكتب عن الفرق بين الريف والمدنية بارك الله فيك وفي جهدك.





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع