الزوق - وهو بقايا حارة أو حوش -، عبارة عن ممر سكني، طوله في حدود الثلاثمئة متر، وعرضه أقل من خمسة أمتار، ويتم الدخول إليه، والخروج منه، من منفذ واحد! وقد سكنت في أحد منازل الزوق، بعد هدم الحوش من منتصفه، لفتح شارع، وكنت آنذاك ابن ثلاث سنوات، وخرجت مع أسرتي، من منزل الزوق، بعد عشر سنوات، وكانت مساحة منزلنا، سبعين متراً وهو على ممرين أو شارعين أو سكتين، أحدهما متفرع من الآخر، وهو بمقاييس الأسرة آنذاك، كان يعتبر جيداً، فقد كان مزوداً، برواشين، وحنفية ماء، وبئر، ولمبات فلورسنت، وعلى سطحه كانت، تفرد البسط والمراتب، وترش بالماء، ليكون النوم عليها مقبولاً، في قيظ المدينة، وفي ظل غياب أجهزة التكييف، وكانت في المنزل غرفة، خصصت لتربية الحمام، حتى سطا قط على الحمام، في غفلة منا، لم نر، من آثاره إلا الريش وقطرات الدم، وقد ساهمت تلك التجربة، في أن أبحث عن هواية أخرى، أجدى من تربية الحمام، تترصد له قطط الزوق. واجهة الزوق الغربية، على شارع واسع نسبياً، والواجهة الشرقية، واجهة سد، على جوانب الشارع أو الزوق، ما يزيد على ثلاثين منزلاً، مساحة بعضها لاتزيد على الخمسين متراً، كل منزل من دورين، وعلى واجهة واحدة، سوى ستة منازل تصطف في زاوية من منتصف الزوق، ولن أبالغ إذا قلت: إن كل منزل من منازل الزوق، مكشوف للمنزل الذي يجاوره، حيث تسري الأخبار أولاً بأول، بين كافة المنازل، وهم في الغالب، على علاقة وثيقة مع بعضهم، ففي كل بيت، هناك خال أو عم أو خالة، باختصار شبكة كاملة، كل داخل عليها، على غفلة، سيكون معرضاً للرصد والمتابعة!

ولن تعرف في هذا الزوق، بيت الغني، من بيت الفقير، تشابه كامل، في نمط البناء، وفي مساحة المنازل، حتى الأكل، يكاد يكون واحداً، في كافة مراحل اليوم، لكن أغنياءه أو ميسوريه، يعرفون، عندما يلم ظرف، صحي أو مالي، بأحد سكان الزوق، حينذاك يهب الميسور منهم، لتقديم المعونة لجاره أو جيرانه، بصمت أو سرية، لذلك لن تجد أحداً، من سكان الزوق، يمد يده لأحد، فمن حوله يكفونه ذل الحاجة وذل السؤال، وهناك قصة بسيطة ومعبرة، لا أعرف مدى صحتها، على أرض الواقع، ولكنها دالة، على التكاتف ومؤازرة الجار للجار. حصلت هذه القصة، قبل دخول الثلاجات إلى المنازل، عندما أَولمَ جار لجاره، وبقيت لديه كمية من اللحم، ذهب المرسول باللحم إلى عدة منازل، حتى وجد المنزل الذي يستقبل اللحم منه، فقد كان سكان، كل بيت يعتذرون، عن أخذه طالبين توجيهه، للمنزل المجاور!

في المدينة المنورة، كان هناك أكثر من زوق، أو حارة، أو ممر سد، كلها اختفت الآن، ومع هذا الاختفاء، أصبحنا نعرف ميسوري الحال، من منازلهم، وملابسهم، أو بالسدود التي يضعونها، بينهم وبين جيرانهم!.