من الإشكالات ألا توجد مساحة مشتركة ما بين المنظِّر والمطبق «المنفذ»، ومن ثم تكون الفكرة الموجودة على الورق غير المنفذة في الواقع.

وهذا كما يصدق في مسائل الاقتصاد، يصدق في كل المجالات، وفي كثير من الأحيان فإن المنظِّر لا يقوى على تنفيذ فكرته، بل حتى ولا يحسنُ تنفيذها ولو امتلك الأدوات اللازمة للتنفيذ، ومن ثَمَّ كان من اللازم إيجاد غرف مشتركة ما بين المنظرين والمنفذين لإيجاد الحلَِّ المناسب وربما «الوسط» لتنفيذ الفكرة بالأسلوب الواقعي المقدور على تنفيذه.

وقد وضعتُ بين يدي عند كتابة هذا المقال ثلاثة كتب «أذكر أني اقتطفت منها فوائد تؤيد ما أشرت إليه» في مجالات مختلفة.

-الكتاب الأول: «أعلام الموقعين» لابن القيم، يقول في كلام مهم للفقهاء والمفتين: الواجب شيء والواقع شيء، والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. (40/194).

-الكتاب الثاني: «كتب هزت العالم رأس المال لكارل ماركس» والمؤلف: فرانسيس وين نقل «وين» في كتابه هذا عن «ماركس» وهو صاحب كتاب «رأس المال» الذي أثرت أفكاره على ملايين البشر، وغير مجرى تاريخ دول، نقل عنه قوله: لا أحسب أن أحداً قط قد كتب عن النقود، وجيوبه خاوية إلى هذا الحد. (45)

لقد كان ماركس يعيش في فقر شديد وهو الذي كتب عن رأس المال، وملكية الأرض، والعمل والأجور والتجارة الدولية والسوق العالمية.

-الكتاب الثالث: «مكيافيللي فيلسوف السلطة» لـ»روس كينج» يبرز فيه مشهداً ظريفاً حدث بين «مكيافيللي» الذي اشتهر بكتابه «الأمير» وبين قائد عسكري اسمه: جيوفاني. فقد ألف مكيافيللي كتاباً عنوانه: «فن الحرب»، ولأن التنظير غير التنفيذ فقد تحدى «جيوفاني» «مكيافيللي» أن ينظم ثلاثة آلاف عسكري وفقاً للطريقة التي وصفها هو نفسه في كتاب «فن الحرب»، وقبل «مكيافيللي» التحدي، وأخذ في التنظيم الذي استغرق ساعات تحول فيه المشهد إلى فوضى وهمجية، وفي آخر الأمر تقدم «جيوفاني» ليريح مكيافيللي من بؤسه، وقام بلم شعث قواته دون عناء وباحترافية وهنا توجه «جيوفاني» إلى «مكيافيللي» بقوله: «أنت أتقنت كتابة الأشياء، أما أنا فقد أتقنت تنفيذها» (248).