انطلق سانتياغو المغامر من الأندلس متوجهاً إلى أهرامات القاهرة بحثاً عن كنز مدفون هناك، لكن خلال رحلته التي واجه فيها الكثير من الصعاب، تعلّم الحكمة وهي أكبر من أي كنز، فعاد بها إلى المكان الذي انطلق منه. هذا خيميائي باولو كويلو الذي تعلّم أسرار كيمياء الحياة وتفاعل البشر فيما بينهم من خلالها، وقد عاد ثرياً بمعارفه إلى دياره، متيقناً أن المعرفة وحدها أثمن من أي شيء في الوجود.

سانتياغو الراعي البسيط الذي تسلل إلى مخيلة باولو كويلو وأقنعه برحلته العجيبة بحثاً عن الخلاص من الفقر والعوز والتهميش والنظرة الدونية، أثمرت فكرته كما لم يتوقعها كويلو نفسه، ملايين القراء، نجومية فريدة من نوعها، وكسرِ أرقامٍ قياسية بعدد المبيعات والترجمات في العالم وتهافت شعوب مختلفة على قراءة الرواية.. والأهم تحقيق ثروة وشهرة خيالية.

الكاتب المرموق الذي تربع على عرش الرواية في العالم على مدى سنوات، غطّى بظلاله على عمالقة الرواية أمثال خوسيه ساراماغو وأمبرتو إيكو، ومواطنه جورجي أمادو، والأرجنتيني أرنستو سباتو، وغيرهم،

وكاد يطوي أيضاً الكولومبي الأشهر في العالم غابريال غارسيا ماركيز، فقد انتشر كويلو في « كوكب اليابان» كما يطلق عليه، وفي كل بقاع البسيطة دون استثناء، حتى في العالم العربي الذي لا يقرأ انتشر كالنار في الهشيم، محيّراً جهابذة النقد، فالكاتب لا شيء يميزه فنياً، وحتى حكاية بطله سانتياغو في الخيميائي جاءت تأثراً بقصص إنجيل العهد القديم عن الأنبياء الرعاة، إذ إنه بنى روايته على الأزمنة القديمة نفسها، وفضاءات الشرق الغنية بالحكايات الدينية العميقة وكل ما له علاقة بالمعنويات، وهو نفس النهج الذي انتهجه دان براون لينافسه بشيفرة دافينشي، متكئاً على المرجع نفسه «الإنجيل» والأمكنة الدينية في أوروبا، تاركاً خلفه الفضاء الأميركي الخالي من المادة الخام لقصصه، وفعلاً كان رهانه على النجاح من خلال هذه الفكرة صائباً فلامس الشريحة التي لامسها كويلو، وهي تتكون من جمهور لا يملك خلفية ثقافية أدبية بل خلفية دينية، جمهور لا يبحث عن رواية بل عن قصة تسلية وتشبع أسئلته الخفية التي لا يجرؤ على طرحها علينا، لكن كويلو ترك بطل الرعاة الذي منحه الشهرة واقتحم موضوعات أخرى من اقتراح ناشريه، خرج من قوقعة الدين دون أن يخرج تماماً، وراح يلعب دور «النبي» حاملاً لواء الإصلاح والتعاطف مع الفئات المسحوقة والمختبئة في قاع المجتمع.

نجم هذا الزمن في الساحة الأدبية لا أعتقد أنه بحاجة لتأثيث مخه بروائع الأدب في العالم، بل يكفيه أن يقرأ أكثر كتاب مؤثر في العامة، ويسرد ما يشبهه حسب مخيلته متكئاً عليه... النماذج متوفرة في كل العالم.