التعليم الناجح يعتمد على المعلم الناجح وعلاقته بطلبته، وهذا وحده يستحق أن يخصص له حيز من النقاش والعصف الذهني في مناهج إعداد المعلمين وفي الحصص اللا منهجية داخل المدارس..

أمضت في مهنة التدريس 40 سنة، وكان والداها وجداها معلمين أيضاً، ولأنها من أنجح المعلمات فقد حاضرت كثيراً عن التعليم وما أدخل عليه من تغييرات مستمرة بعضها جيد وبعضها ليس كذلك، وعرفت أسباباً كثيرة لإخفاق الطلبة أو تركهم المدرسة من أهمها الفقر والصحبة السيئة والغياب المتكرر، لكن يوجد عامل آخر مهم مسكوت عنه ولا يعطى ما يستحق من عناية وهو العلاقة الإنسانية المميزة بين المعلمة والطالب، ثم أوردت ما قاله العالم «جيمس كومر» من أنه لا يوجد تعليم عظيم من غير علاقة عظيمة، أما «جورج واشنطن كارفر» فيقول: أساس التعليم هو الفهم الحقيقي لأهمية العلاقات الإنسانية بين المعلم وطلبته».

وتقول تلك المعلمة: «كلٌّ منا تأثر بمعلم في وقت من الأوقات، وقد صاحبت الكثير من المعلمين والمعلمات وتعرفت على المميزين وعلى من هم دون ذلك، إحدى المعلمات قالت لي: إنه ليس من الضرورة أن أحب الطلبة، علي أن أشرح لهم المعلومة فقط والباقي عليهم، فأجبتها: الأطفال لا يتعلمون من شخص لا يحبونه، كم سيكون التعليم مملاً حين لا يقترن بالمحبة لمن تحاول تعليمهم. التعليم يعني أن تفهم شعور الطلبة، وأن تكون لديك القدرة على الاعتذار حين تخطئ في حق طالب أو معلم من زملائك، عليك أن تشعر طلبتك أنهم أذكياء ومتميزون حتى يحاولوا جاهدين إثبات ذلك، عليك أن تقول الكلمات المحفزة أكثر من مرة حتى تصبح راسخة في عقولهم الباطنية، وأسوأ المعلمين معلم يتلفظ على الطالب الضعيف بكلمات جارحة ثم أضافت: حتى في ورقة الإجابة أضع علامة الصح بارزة مع عبارات التشجيع حتى ولو كانت الأخطاء أكثر والطالب لم ينجح».

لقد تعلمت من والدتها المعلمة أن تحب الطلبة وأن تراقبهم عن قرب وتتلمس احتياجاتهم وتزورهم في بيوتهم وأن تشتري لهم من مالها الخاص ما ينقصهم، لقد رأت هذه المعلمة الكثير من الطلبة يزورون والدتها بعد تقاعدها ليقولوا لها: هل تدرين كم كان تأثيرك في حياتنا؟ كنت من أسباب نجاحنا، وحين توفيت والدتها حضر الكثير من طلبتها إلى جنازتها وترحموا عليها، ذلك أنها تركت إرثاً عظيماً من العلاقات المميزة التي لا يمحوها الزمن.

هل يعني ذلك أن يحب المعلم كل الطلبة؟ لا ليس من الممكن ذلك، ولكن من المهم ألا يشعر أي طالب أنه يكرهه لأي سبب من الأسباب، فكل معلم تمر به أوقات صعبة وطلبة مشاغبون ومواد صعبة، لكن كل ذلك يهون أمام مهمة التعليم السامية، فكل طالب يستحق أن يكون مميزاً في مجاله الذي يحبه، وتخيل كيف سيكون العالم جميلاً وقوياً حين نخرج طلبة شجعاناً لا يخافون من تحمل المسؤولية،.

هل مهنة التعليم صعبة؟ بلا شك ومملة أحياناً، لكنها ليست مستحيلة، التعليم هو الأسمى والأكثر إثارة وفائدة للمجتمع وللوطن بشكل عام.

كم نحن بحاجة إلى مثل هذه المعلمة الناجحة والمتحدثة المفوهة لتذكر كل معلم ومعلمة بعظم المسؤولية وأهمية بناء العلاقات الإنسانية التي تبني الأسس الحقيقية لنجاح الطالب في حياته الخاصة والعامة، وتؤسس لما بعدها، فطالب اليوم هو رجل الغد، وهو أساس غنى الأمة أو فقرها. ولهذا فمن المهم أن يقدر كل معلم ومعلمة أهمية علاقة المودة والرحمة تجاه طلبته، وهذا يتطلب أن يحظى المعلم بما يستحقه من اهتمام خاص يبدأ بحسن اختياره وتدريبه وتكريمه وإشعاره بقيمته المعنوية ودوره الحاسم في بناء مستقبل الوطن وقوته من جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، فالتعليم ليس مجرد حشو مخ الطالب بالكثير من المعلومات، بل الأهم هو كيف نبني علاقات أفضل بين المعلم وطلبته، وكيف يستطيع المعلم أن يساعد كل طالب ليصبح لبنة قوية في بناء عظيم، وكيف يصبح التعليم ممتعاً وجاذباً للطلبة ليحبوا مدارسهم ويستمتعوا بالمواد التي يدرسونها.

التعليم الناجح يعتمد على المعلم الناجح وعلاقته بطلبته، وهذا وحده يستحق أن يخصص له حيز من النقاش والعصف الذهني في مناهج إعداد المعلمين وفي الحصص اللا منهجية داخل المدارس، وهذا يبين الفرق الكبير بين مهمة التعليم السامية وبين سائر الوظائف في القطاع العام أو الخاص، فهي رسالة تحكمها قيم وأخلاق تنتقل من المعلم إلى طلبته عن طريق القدوة والتأثير الذي أساسه المحبة والاحترام.