يتألق الفنان الفرنسي برونو ساييه Bruno Seillier من مواليد عام 1974 الرائد في فنون الديجتال وما ينتجه من أعمال الضوء والصوت التي انحفرت في ذاكرة زوار باريس وأهلها مثلها مثل الأنصاب التاريخية العريقة للمدينة كقوس النصر والمسلة الفرعونية وحدائق التويليري. أعمال من ضوء شبه خالدة وذلك لعدم محدوديتها بالمكان والزمان نظراً لقيامها في الذاكرة. لفت برونو ساييه هذا المؤرخ بالسليقة اهتمام الأوساط الفنية بمشروع التصوير السينمائي المذهل الذي نفذه عام 2011 على واجهة كاتدرائية نوتردام بعنوان فناء الأمم the Courtyard of the Gentiles، حيث كان أول فنان يُسْمَح له باستعمال واجهات نوتردام كشاشة لفيديو فني.

ويستند عمل ساييه على خلق احتمالات لامحدودة للأنصاب التاريخية الجامدة، كمن يستقرئ تلك الأنصاب ويمنحها أبعاداً إضافية وذلك من خلال توظيف التكنولوجيا التي تضيف لتلك الأنصاب وتحفظ لها في نفس الوقت جوهرها العريق وعمقها الفني، حيث يقوم برونو ساييه باستعمال الضوء والصوت كوشاح من نور يمنح الحجارة الحياة بحيث تسمع الأقدام تدب بين الأروقة الساكنة من عصور وتدب على عنقك أنفاس الأمم التي عمرت تلك الأبنية القادمة من آخر الزمان، من أزمنة تبدو غريبة على عصر التكنولوجيا التي تلفح الأرض وتحولها لكوكب من الخيال العلمي.

ضوء وصوت برونو ساييه يصالح العصور على مطلق تناقضاتها ويدمغها في انسجام بديع، بل ويمنح عصر الذرة من موسيقى القرون الوسطى وعصور النهضة.

اشتهر كاتب السيناريو برونو ساييه كمؤلف لليالي شبيهة بليالي ألف ليلة وليلة، مثل "ليلة في الإنفاليد" لك العرض المذهل من الضوء والصوت عام 2012-2014 على بناء الإنفاليد حيث قبر نابليون والذي شهده أكثر من 160000 متفرج، أو الليلة المسماة "غزو الهواءThe Conquest of the Air والسحر الذي بثه عام 2016 على عراقة القصر الكبير بآخر الشانزليزيه، أو الليلة المسماة "التلألؤ Les Luminescences عام 2014 على قصر البابوات الشهير في مدينة أفنيون والتي استقطبت ما يقارب الربع مليون متفرج، وهي أعمال لا تثير فقط دهشة المتفرج إنما تتواصل مع توق عميق داخله النور، مثل شلالات من نور تهمي للعمق وتحرض في المتفرج التساؤلات وتفتحه على حوار داخلي يمهد لفهم أعمق للذات.