الحديث عن فن الكتابة بشتى ضروبها حديث ذو شجون لا يخلو من فائدة ومتعة، إذ إنّه بات علماً له قواعده وتقنياته وأصوله، وأصبح يدرّس ضمن التقنيات الفنية، وأصبحت له مدارس واتجاهات كما يشير أساتذة الفن والقص في الكتاب المهم والرائع "تقنيات الكتابة"، بل إنهم يذهبون إلى أن فن الكتابة لم يعد يحوي إلا القليل من الإيحاء، أما الباقي فيعتمد على قرار مسبق قوامه التخطيط والمتابعة، وهو أكثر شبهاً بملء الفراغات، ومن هنا فإنّ الكتابة القصصية والروائية عمل شابه وضع الخطط وتنفيذها من خلال تكتيكات مرحلية وأخرى استراتيجية تمتد على طول العمل وتحتويه بالكامل.

ومع أهمية ورش الكتابة وتعليمها فهي لا تصنع روائياً أو كاتباً ناجحاً، كما أن الموهبة وحدها لا تكفي دون توافر صفات أخرى مهمة كالدأب والانكباب على العمل تجويداً ومراجعةً، فضلاً عن التواضع الذي هو سمة أغلب الكُتّاب الأفذاذ الذين تركوا آثاراً أدبية خالدة، وكذلك صقل الموهبة، والشغف الكتابي الذي لا يستقيم ما لم ترفده قراءة معمّقة واستفادة من تجارب الآخرين، ولذا من المهم جداً التوقف عند آراء الكُتّاب والنُقّاد الكبار الذين أصّلوا للعمل الإبداعي في حقول مختلفة مثل أمبرتو إيكو وأنطوان تشيخوف، فالأول روائي وسيميائي يُعدُّ من أهم نُقّاد وكتاب القرن العشرين وصاحب العمل الخالد "اسم الوردة" و"بندول فوكو" و"جزيرة اليوم السابق" وغيرها بالإضافة إلى الأعمال النقدية والتنظيرية التي تعد مرجعاً لا غنى لأي ناقد وقارئ عنها، أما تشيخوف فهو باختصار الأب الأكبر والأهم عالمياً للقصة ولا زالت قصصه تدرس للأجيال فهو قاص وروائي عابر للأجيال. وكلا الكاتبين لهما آراء مهمة جداً في ضرورة التواضع والدأب في الكتابة وعدم التعجّل في طرح العمل الأدبي وتمكيثه في حاضنة التجربة والتفكير لحين نضوجه بدل أن يظهر نيئاً لا روح فيه، فإيكو في نصيحة له إلى كاتب شاب يدعوه إلى أن لا يبالغ في تقدير ذاته ولا يعتقد أنه يستلهم مؤكداً أن العبقرية: "عشرة بالمئة إلهام وتسعين بالمئة مجهود، ويضيف مستغرباً: لا أستطيع فهم هؤلاء الروائيين الذين يصدرون كتاباً كل سنة، هكذا يفقدون بهجة تحضير كتبهم لمدة ست أو سبع أو ثماني سنوات كي يكتبوا الرواية، وطالما لاحظت رغبة وتلهف الكتاب الشبان في نشر كتبهم فوراً".

وللروائي والقاص تشيخوف رؤى نقدية وتبصّرات في فن الكتابة ثرية وبحاجة للتوقف عندها والإصغاء لها، فهو يكتب عن ضرورة التواضع والشغف بتقديم الأفضل فيقول: "لو قُدّر لي أن أعيش أربعين سنة أخرى فأقرأ وأقرأ وأقرأ، وأدرّب نفسي على إجادة الكتابة، أعني الكتابة الموجزة لطلعت عليكم بما يروعكم ويذهلكم. أما الآن فلست إلا قزماً كالآخرين..". وقد كان تشيخوف رغم اشتغاله بعد تخرجه من الجامعة في الطب والأدب يقرأ بنهم كبير، ولم تكن قراءته مجرد نظر في الكتب، بل كانت دراسة عميقة ذائبة. وقد أوصى أخاه نيكولا بذلك فقال: "إن الفنان لا بد له من العمل المتصل فإن هذا سبيله الوحيد إلى البقاء". ويقول أيضاً: "على الكاتب أن يعتاد ملاحظة نفسه ملاحظة واعية ودائمة حتى يصبح ذلك طبيعة ثانية لديه". كان تشيخوف يركّز على ضرورة أن يخلّص الكاتب عقله ووجدانه من كل شائبة ويرتفع بنفسه إلى مستوى موهبته فما دام هناك فرقة بين الإنسان وموهبته فلن يتحقق له إلا شيء من البراعة الهشة التي لا تصل إلى مرتبة النبوغ.

وتبقى تجارب الكتاب والأفذاذ نافذة جميلة تقودنا لمصبّات الإبداع الحقيقي وللأعمال ذات القيمة الأدبيـة الحقيقية التي تعكس الوعي العميق بأهمية الكتابة وضرورة تمثّل آلياتها بغية الوصول لفهم حقيقي للكتابة المحكمة والمشدودة بحبل الإبداع والتبصُّر.